آخر تحديث :الأربعاء - 16 سبتمبر 2026 - 10:37 م

كتابات


السعودية في اليمن.. حسابات التحالفات وثمن إضعاف الجنوب

الأربعاء - 16 سبتمبر 2026 - 10:10 م بتوقيت عدن

السعودية في اليمن.. حسابات التحالفات وثمن إضعاف الجنوب

كتب / جميل محمد الشعبي

قراءة سياسية في تداعيات إقصاء الحليف الجنوبي، وتراجع الخيارات السعودية في اليمن والبحر الأحمر

لم تعد تداعيات الحرب اليمنية تقتصر على الميدان العسكري أو حدود الصراع بين جماعة الحوثي والحكومة اليمنية، بل باتت تكشف عن أزمة أعمق في إدارة التحالفات الإقليمية، وفي مقدمتها السياسة السعودية تجاه الجنوب العربي والقوى التي حملت عبء مواجهة الحوثيين خلال السنوات الماضية.

ومن وجهة نظر كثير من الجنوبيين، فإن الرياض ارتكبت خطأً استراتيجياً حين تعاملت مع المجلس الانتقالي الجنوبي وقواته باعتبارهما ورقة قابلة للتهميش أو الاستبدال، بدلاً من النظر إليهما بوصفهما شريكاً سياسياً وعسكرياً يمتلك حضوراً شعبياً وميدانياً في الجنوب.

فبدلاً من الحفاظ على هذا الحليف وتعزيز الشراكة معه، اتجهت المملكة، بحسب هذا الطرح، إلى إضعاف دوره، والضغط على قواته، ودعم ترتيبات سياسية وعسكرية لم تحقق الاستقرار المنشود. ومع مرور الوقت، بدأت نتائج هذه الخيارات تثير تساؤلات واسعة حول جدوى إدارة الملف اليمني بالطريقة ذاتها.


من إضعاف الحليف إلى البحث عن بدائل:


تتمثل إحدى أبرز الإشكاليات في السياسة السعودية تجاه اليمن في الاعتقاد بأن التحالفات يمكن أن تُبنى على أساس المصالح المؤقتة، وأن القوى المحلية يمكن استبدالها بسهولة متى تغيرت الحسابات السياسية.

غير أن التجربة اليمنية أثبتت أن النفوذ لا يُقاس فقط بالاتفاقيات والبيانات الرسمية، بل يرتبط أيضاً بالثقة، والقبول الشعبي، والقدرة على التحرك في الميدان.

فالمجلس الانتقالي الجنوبي، وفق رؤيته السياسية، لا يمثل مجرد تشكيل عسكري أو طرفاً عابراً في المشهد اليمني، بل يعبر عن قضية جنوبية ممتدة، ويستند إلى قوى أمنية وعسكرية تشكلت في سياق مواجهة الحوثيين والتنظيمات المتطرفة.

ومن هنا، فإن محاولة تجاوز هذا المكون أو إضعافه لا تعني بالضرورة إنهاء حضوره، بل قد تؤدي إلى تعميق الفجوة بين الرؤية السعودية والواقع السياسي والاجتماعي في الجنوب.

كما أن أي ترتيبات أمنية جديدة لا تراعي خصوصية القضية الجنوبية، ولا تستند إلى شراكة حقيقية مع القوى المحلية، قد تظل عاجزة عن إنتاج استقرار دائم، مهما حظيت بالدعم السياسي أو المالي.


التحالفات الإقليمية.. هل تكفي الاتفاقيات لحماية الأمن؟


في ظل التوترات المتصاعدة في البحر الأحمر، برزت تحركات إقليمية ودولية متعددة لحماية الملاحة البحرية ومواجهة التهديدات التي تستهدف السفن والمنشآت الحيوية.

وقد دفعت هذه التطورات المملكة العربية السعودية إلى البحث عن صيغ جديدة للتعاون الأمني والسياسي، في محاولة لتوسيع دائرة الشركاء وتقليل المخاطر المحيطة بها.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تستطيع التحالفات الجديدة تعويض غياب الثقة مع الحلفاء الذين يمتلكون معرفة عميقة بالجغرافيا اليمنية وموازين القوى المحلية؟

إن توقيع الاتفاقيات، وتشكيل الأطر الإقليمية، وإصدار البيانات السياسية، لا يضمن بالضرورة تحقيق نتائج ميدانية. فنجاح أي تحالف أمني يتطلب وضوحاً في الأهداف، وتوافقاً بين أعضائه، وقدرة على تنفيذ الالتزامات، فضلاً عن وجود شركاء محليين يمتلكون الحضور والفاعلية على الأرض.

ولهذا، فإن المشكلة لا تكمن بالضرورة في عدد التحالفات التي تنشئها الرياض، وإنما في مدى قدرتها على تحويل تلك التحالفات إلى سياسة متماسكة، تستند إلى قراءة واقعية للملف اليمني.


البحر الأحمر وباب المندب.. بين المخاوف والحقائق:


يشكل البحر الأحمر ومضيق باب المندب أهمية استراتيجية بالغة بالنسبة إلى أمن المنطقة والاقتصاد العالمي. وأي تهديد للملاحة فيهما ينعكس على حركة التجارة الدولية، وعلى أمن الدول المطلة عليهما.

غير أن الحديث بعد سقوط مدينة المخا و سيطرة الحوثيين على باب المندب، وما يترتب على ذلك من تحولات في حركة الملاحة البحرية، ،

ومع ذلك، فإن مجرد تصاعد المخاوف بشأن أمن باب المندب يكشف حجم المخاطر التي قد تنشأ عندما تضعف القوى المحلية القادرة على حماية السواحل والممرات الحيوية.

فأمن البحر الأحمر لا يتحقق من خلال التحالفات الدولية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى استراتيجية متكاملة تشمل حماية السواحل، وتأمين الموانئ، ودعم القوات المحلية الفاعلة، ومعالجة جذور الصراع السياسي والعسكري في اليمن.


السعودية ومصر.. هل تنجح سياسة البحث عن حلفاء جدد؟


تأتي زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى مصر، في سياق إقليمي بالغ التعقيد، تتداخل فيه ملفات الأمن والاقتصاد والسياسة والطاقة والملاحة البحرية.

وتحظى مصر بأهمية استراتيجية بحكم موقعها الجغرافي، وإشرافها على قناة السويس، وامتلاكها قدرات عسكرية وسياسية مؤثرة في المنطقة. ولذلك، فإن تعزيز التعاون بين الرياض والقاهرة يمكن أن يخدم مصالح البلدين، خصوصاً في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية.

لكن من الخطأ افتراض أن أي زيارة أو اتفاق سياسي يمكن أن يحل بمفرده تعقيدات الحرب اليمنية. فالأزمة لا تتعلق فقط بالحاجة إلى حليف إقليمي جديد، وإنما ترتبط أيضاً بغياب تسوية سياسية شاملة، وتعدد القوى المحلية، وتضارب الأجندات الخارجية، وتراجع الثقة بين الأطراف اليمنية.

ومن ثم، فإن نجاح أي تحرك سعودي يحتاج إلى رؤية واضحة تتجاوز البحث عن ترتيبات مؤقتة، وتعمل على بناء شراكات مستقرة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل.


هل كان الحفاظ على التحالف مع الإمارات والجنوب خياراً أكثر واقعية؟


يرى كثير من الجنوبيين أن الشراكة السعودية الإماراتية، إلى جانب التعاون مع المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات الجنوبية، كانت تمثل أحد أهم عناصر التوازن في مواجهة الحوثيين.

وبحسب هذا التصور، فإن إضعاف هذه الشراكة أفسح المجال أمام تعقيدات جديدة، وأدى إلى تراجع الثقة بين الأطراف التي يفترض أن تتشارك هدف مواجهة التهديد الحوثي.

ولا يعني ذلك أن التحالف مع القوى الجنوبية كان سيضمن وحده إنهاء الحرب أو منع جميع المخاطر، لكنه كان يمكن أن يوفر قاعدة أكثر تماسكا للتعامل مع التحديات الأمنية والسياسية في الجنوب، إذا ما أُدير على أساس الشراكة والوضوح.

فالسياسة الواقعية لا تقوم على إقصاء الحلفاء بسبب اختلافات سياسية، بل على إدارة الخلافات بالحوار، وتوزيع الأدوار، واحترام خصوصية كل طرف، وبناء تفاهمات تمنع تحول التباينات إلى صراعات داخلية.


ما الذي تحتاجه السعودية للخروج من المأزق اليمني؟


إذا أرادت الرياض تجاوز تداعيات المرحلة الراهنة، فإنها تحتاج إلى مراجعة شاملة لسياساتها، بعيداً عن الحسابات قصيرة المدى، وذلك من خلال مجموعة من الخطوات:


إعادة تقييم التحالفات المحلية:

الاعتراف بأن القوى الجنوبية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، طرف أساسي في أي ترتيبات سياسية أو أمنية تخص مستقبل الجنوب واليمن.

وقف سياسة الإقصاء والتهميش: معالجة الخلافات مع الحلفاء بالحوار والتفاهم، بدلاً من فرض ترتيبات أحادية الجانب.

توحيد الجهود العسكرية والسياسية: منع تعدد مراكز القرار، وتوضيح أهداف العمليات العسكرية، وربطها برؤية سياسية قابلة للتنفيذ.

دعم أمن الجنوب والسواحل: الاستثمار في القوات المحلية القادرة على حماية المدن والموانئ والممرات البحرية، مع ضمان التنسيق المؤسسي.

إعادة بناء الثقة مع الإمارات والقوى الجنوبية: فالمصالح المشتركة لا ينبغي أن تتحول إلى ضحية للخلافات الإقليمية.

العمل على تسوية سياسية واقعية: أي حل مستدام في اليمن يجب أن يأخذ في الاعتبار القضية الجنوبية، وتعدد القوى اليمنية، وحق السكان في تقرير مستقبلهم السياسي عبر مسار تفاوضي واضح.


الخاتمة: حين تدفع الدول ثمن حساباتها الخاطئة

إن الأزمة اليمنية لا يمكن اختزالها في تقدم عسكري هنا أو تراجع ميداني هناك، بل هي نتيجة تراكمات سياسية وعسكرية، وتضارب في الرؤى، وسوء تقدير لطبيعة القوى المحلية والإقليمية.

ومن وجهة نظر منتقدي السياسة السعودية، فإن المملكة دفعت ثمناً باهظاً لعدم الحفاظ على شراكاتها مع القوى الجنوبية، ولعدم بناء استراتيجية متماسكة تتعامل مع اليمن باعتباره قضية متعددة الأبعاد، لا مجرد ساحة صراع مع الحوثيين.

ومع ذلك، فإن قراءة المشهد بموضوعية تقتضي عدم تجاهل أن الحرب اليمنية معقدة، وأن مسؤولية استمرارها وتداعياتها لا تقع على طرف واحد، بل تتداخل فيها أدوار الحوثيين، والقوى اليمنية المختلفة، والدول الإقليمية والدولية.

ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع السعودية مراجعة أخطائها، وإعادة بناء تحالفاتها على أساس المصالح الحقيقية، أم ستواصل البحث عن حلول مؤقتة لأزمة تحتاج إلى معالجة استراتيجية شاملة؟

فالتاريخ السياسي والعسكري يعلمنا أن الدول لا تخسر فقط عندما تُهزم في الميدان، بل قد تخسر أيضاً عندما تُضعف حلفاءها، وتفقد ثقتهم، ثم تكتشف أن البدائل التي راهنت عليها لم تكن قادرة على سد الفراغ.

وكما قالت العرب قديماً: «وعلى نفسها جنت براقش».

اللهم لا شماتة، وإنما العبرة لمن أراد أن يعتبر.