يبدو أن التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن بدأت تضع المملكة العربية السعودية أمام سؤال لم يعد من السهل تأجيله: هل تستطيع الرياض إدارة الحرب اليمنية منفردة، أم أن التطورات العسكرية ستجبرها على إعادة بناء شراكة مع أبوظبي؟
هذا السؤال لا يأتي من فراغ. فخلال الأيام الأخيرة، حاولت السعودية توسيع دائرة الدعم الإقليمي في مواجهة التصعيد الحوثي، وبرزت تركيا وباكستان ومصر في المشهد السياسي والأمني. لكن الانتقال من التضامن السياسي والدفاع عن أمن السعودية إلى المشاركة العسكرية المباشرة في الحرب داخل اليمن يظل مسألة مختلفة تمامًا.
فباكستان، رغم اتفاقها الدفاعي مع السعودية وتركيا، أوضحت رسميًا أن الاتفاق دفاعي، وأن العمل العسكري ضد الحوثيين داخل اليمن لم يكن مطروحًا في الوقت الراهن. كما أن تصريحات المسؤولين الباكستانيين ربطت احتمال تفعيل الاتفاق أساسًا بامتداد الهجمات إلى الأراضي السعودية.
أما تركيا، فلم تتحول حتى الآن إلى طرف عسكري مباشر في الحرب اليمنية. وبالتالي فإن الاتفاق السعودي-التركي-الباكستاني لا يعني تلقائيًا أن الرياض حصلت على قوة جوية أو برية جديدة تستطيع استخدامها داخل اليمن.
وهنا تظهر المشكلة الأولى أمام الرياض:
من يشارك السعودية فعليًا في الحرب داخل اليمن، وليس فقط من يعلن التضامن معها؟
أما مصر، فقد كان موقفها أكثر وضوحًا في الجانب السياسي والأمني. فخلال لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أكدت القاهرة دعمها لأمن السعودية وحرية الملاحة في البحر الأحمر، وربطت أمن السعودية بأمنها القومي، لكنها في الوقت نفسه أكدت أهمية الحل السياسي في اليمن، ولم تعلن الدخول عسكريًا في الحرب ضد الحوثيين.
وهذا مفهوم من زاوية المصالح المصرية؛ فالقاهرة معنية بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب وبحركة الملاحة في قناة السويس، لكنها لا تبدو مستعدة، وفق المعلن حتى الآن، لتحويل هذه المصلحة إلى مشاركة عسكرية برية أو جوية واسعة داخل اليمن.
ماذا بقي أمام الرياض؟
هنا نصل إلى العامل الأكثر حساسية في المعادلة: الإمارات.
فالإمارات ليست دولة تبحث السعودية اليوم عن إقناعها بالتضامن السياسي معها؛ إنها دولة خاضت الحرب اليمنية إلى جانب السعودية منذ بدايتها، وامتلكت خلال سنوات الحرب خبرة ميدانية وشبكة من القوات المحلية التي عملت في الجنوب والساحل الغربي.
لكن الخلاف السعودي-الإماراتي في اليمن لم يكن خلافًا عسكريًا فقط.
لقد اختلف الطرفان حول القوى اليمنية التي ينبغي دعمها، وحول المجلس الانتقالي الجنوبي، وحزب الإصلاح، وطريقة إدارة المناطق التي خرجت من سيطرة الحوثيين. ويؤكد تقرير حديث لمكتبة مجلس العموم البريطاني أن السعودية والإمارات أصبحتا تدعمان عناصر متعارضة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وأن الخلاف بينهما كان أحد العوامل الرئيسية في إعادة ترتيب المشهد اليمني خلال عام 2026.
ولهذا فإن عودة الإمارات إلى المعادلة العسكرية ليست قرارًا بسيطًا؛ لأنها تعني، في الوقت نفسه، إعادة فتح الملف السياسي الذي أدى إلى القطيعة العسكرية بين الطرفين.
لكن التطورات الأخيرة تفرض على الرياض إعادة النظر في كلفة هذا الانقسام.
فتقرير رويترز المنشور في 16 سبتمبر تحدث عن انتكاسة كبيرة للسعودية في مواجهة الهجوم الحوثي الأخير، وأشار إلى إخفاقات استخبارية وانهيار قوات يمنية حليفة للرياض، فضلًا عن المشكلات المرتبطة بالقيادة والتنسيق.
والأخطر أن الحوثيين تمكنوا خلال التصعيد الأخير من الوصول إلى مواقع استراتيجية على ساحل البحر الأحمر، بما في ذلك مناطق وجزر قريبة من باب المندب، وهو ما جعل المسألة تتجاوز حدود الحرب اليمنية الداخلية لتصبح مرتبطة مباشرة بأمن الملاحة والطاقة في المنطقة..
السؤال الذي تفرضه التطورات هو:
هل تستطيع الرياض الاستمرار في إدارة الحرب اليمنية بالترتيبات الحالية، أم أن الضرورات العسكرية ستدفعها في النهاية إلى إعادة بناء شراكة مع أبوظبي؟
فالمشكلة ليست في عدد الدول التي تعلن تضامنها مع السعودية، وإنما في عدد الدول المستعدة لتحمل كلفة الحرب والمشاركة الفعلية في إدارتها على الأرض.
وقد يكون هذا هو الدرس الأبرز من التطورات الحالية.
فتقرير مكتبة مجلس العموم البريطاني، الصادر في 11 سبتمبر، يضع السعودية والإمارات وإيران بوصفها الأطراف الخارجية الثلاثة الأكثر أهمية في الصراع اليمني، ويشير إلى أن التحالف السعودي-الإماراتي انقسم، وأن الإمارات سحبت ما تبقى من قواتها في يناير 2026، بينما واصلت السعودية دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
وبالتالي، فإن السؤال لم يعد فقط: من مع السعودية؟
بل أصبح:
من يستطيع أن يقاتل معها داخل اليمن؟
وهذا سؤال مختلف تمامًا.
إدارة حرب طويلة داخل اليمن تحتاج إلى شراكات ميدانية داخل اليمن، وليس فقط إلى بيانات تضامن واتفاقات دفاعية.
ومن هنا قد يصبح إعادة فتح قنوات الحوار مع أبوظبي، مهما كانت الخلافات السياسية عميقة، أحد الخيارات التي ستفرضها الضرورات العسكرية على طاولة الرياض.
ليس لأن الخلافات السعودية-الإماراتية قد انتهت، بل لأن الحرب نفسها قد تفرض إعادة حساب كلفة استمرارها.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
إلى متى تستطيع الرياض الاستمرار في إقصاء الإمارات عن المعادلة العسكرية في اليمن، بينما لا يبدو أن البدائل الإقليمية الجديدة قد تحولت، حتى الآن، إلى بديل عسكري حقيقي للدور الذي كانت تؤديه أبوظبي؟