حين تُستعاد سِيَر الرجال الذين تركوا بصمات راسخة في تاريخ عدن العلمي والأكاديمي والإداري، يبرز اسم الأستاذ الدكتور أحمد صالح منصر بوصفه واحدًا من أبناء المدينة الذين ارتبطت مسيرتهم بجامعة عدن في مراحل مفصلية من تاريخها، وأسهموا بعلمهم وخبرتهم في ترسيخ حضورها الأكاديمي والإداري وتعزيز مكانتها باعتبارها إحدى أبرز المؤسسات العلمية في المدينة.
وُلد الدكتور أحمد صالح منصر في عدن عام 1949م، ونشأ بين أحيائها وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن ينتقل إلى رحاب التعليم الجامعي متخصصًا في مجال الاقتصاد، ولم يتوقف طموحه العلمي عند حدود الدراسة الجامعية، بل واصل مسيرته الأكاديمية خارج الوطن، فحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد من كوريا الديمقراطية، ثم واصل دراساته العليا في بلغاريا التي نال منها درجة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي، ليعود إلى وطنه حاملًا حصيلة علمية وتجربة أكاديمية أسهم بهما في خدمة التعليم الجامعي.
وكانت علاقته بجامعة عدن أبعد من كونها مجرد مسار وظيفي؛ فقد شكلت الجامعة ميدانًا رئيسيًا لمسيرته العلمية والإدارية، وارتبط اسمه بعدد من المحطات المهمة في تطورها.
ففي عام 1983م تولى الدكتور أحمد صالح منصر عمادة كلية الاقتصاد، واستمر في منصبه حتى عام 1986م، قبل أن يعود إلى موقع العميد مرة أخرى خلال الفترة من 1994م إلى 1999م. وخلال فترتي توليه عمادة الكلية، كان حاضرًا في تفاصيل الحياة الأكاديمية والإدارية، مشاركًا في خدمة الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، والإسهام في تطوير العمل الجامعي في مرحلة مهمة من مراحل بناء الجامعة وتوسعها.
وفي عام 1999م انتقل إلى مسؤولية إدارية أوسع، عندما تولى منصب الأمين العام لجامعة عدن، وهو موقع رفيع ارتبط بإدارة جانب واسع من الملفات والشؤون الإدارية والتنظيمية للجامعة، ويتطلب خبرة واسعة وقدرة على تحمل المسؤولية ومتابعة تفاصيل العمل المؤسسي.
ومنذ توليه هذا المنصب وحتى رحيله عام 2009م، أصبح الدكتور أحمد صالح منصر أحد الوجوه البارزة في الذاكرة الإدارية لجامعة عدن، وظل حاضرًا في العديد من القضايا والملفات المرتبطة بمسيرة الجامعة وشؤونها الأكاديمية والإدارية.
غير أن إرثه لم يكن محصورًا في المناصب التي شغلها، فقد عُرف بين زملائه وطلابه وموظفي الجامعة بصفاته الإنسانية، وحرصه على معالجة المشكلات ومساعدة الآخرين، وقربه من الطلاب والعاملين، الأمر الذي جعل صورته في الذاكرة الجامعية تتجاوز حدود المسؤول الإداري إلى صورة الأكاديمي الذي حمل مسؤولية مؤسسته بروح إنسانية وحرص على خدمة من حوله.
وينتمي الدكتور أحمد صالح منصر إلى جيل من الأكاديميين الذين واكبوا مراحل مبكرة ومهمة من تاريخ جامعة عدن، وهي المرحلة التي شهدت توسع الجامعة ونمو كلياتها وأقسامها، وبناء كوادرها العلمية والإدارية، وترسيخ حضورها كمؤسسة تعليمية وأكاديمية محورية في عدن.
ومن هنا، فإن استحضار سيرته لا يمثل مجرد استعادة لسيرة شخصية أكاديمية، بل يفتح نافذة على مرحلة كاملة من تاريخ التعليم الجامعي في عدن، وعلى جيل من الأكاديميين والإداريين الذين حملوا مسؤولية بناء المؤسسة الجامعية وتطويرها في ظروف ومحطات مختلفة.
وفي 17 مارس 2009م، غيّب الموت الدكتور أحمد صالح منصر في العاصمة الأردنية عمّان أثناء تلقيه العلاج، بعد مسيرة امتدت لعقود في ميادين العلم والأكاديمية والإدارة وخدمة جامعة عدن.
وعاد جثمانه إلى عدن، المدينة التي ولد فيها وعاش معظم سنوات حياته، حيث شُيّع في موكب جنائزي كبير، قبل أن يوارى الثرى في مقبرة الرحمن بالمنصورة، لتطوى بذلك صفحة رجل أكاديمي وإداري ارتبط اسمه بإحدى أهم المؤسسات العلمية في المدينة.
ورغم مرور السنوات على رحيله، ظل اسم الدكتور أحمد صالح منصر حاضرًا في ذاكرة جامعة عدن وأبنائها؛ أستاذًا وأكاديميًا، وعميدًا لكلية الاقتصاد، وأمينًا عامًا للجامعة، وأحد أبناء عدن الذين اقترنت حياتهم بالعلم والعمل المؤسسي وخدمة الجامعة والمدينة.
إن توثيق سيرة رجال من أمثال الدكتور أحمد صالح منصر لا يعني الوقوف عند الماضي فحسب، بل يمثل حفظًا لذاكرة عدن العلمية، وصونًا لتاريخ جامعتها، وتكريمًا لجيل كامل أسهم في بناء الحركة الأكاديمية والتعليمية في المدينة.
لقد كان الدكتور أحمد صالح منصر أكثر من مجرد اسم في سجل جامعة عدن؛ كان جزءًا من تاريخها، ومن جيل الأكاديميين الذين حملوا مسؤولية العلم والإدارة، وأسهموا في بناء صرحها وترسيخ حضورها في مسيرة التعليم الجامعي.
رحم الله الأستاذ الدكتور أحمد صالح منصر، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن علمه وعمله وخدمته لجامعة عدن وعدن وأبنائها خير الجزاء.