إن أطماع مليشيات الحوثي في السيطرة على الجنوب ليست وليدة اللحظة الراهنة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد نزوة سياسية عابرة قد تنتهي بانتهاء ظرف أو تغير موازين القوة. فالمسألة في جوهرها أبعد من ذلك بكثير وأعمق من مجرد تحرك عسكري أو مشروع سياسي طارئ، خصوصًا في ظل حجم الأكاذيب والدعاوى الزائفة التي ظل الطرف الشمالي يروج لها ويسوقها بغية طمس الهوية الجنوبية التي جرى توظيفها وإعادة إنتاجها حول تاريخ الجنوب، والتلاعب ببعض مفرداته لخدمة مشاريع سياسية هزيلة هدفت، وما تزال، إلى إبقاء الجنوب أسيرًا لرواية الوحدة، رغم أن تجربة الوحدة بالصيغة التي قامت عليها قد انتهت عمليًا إلى فشل سياسي مريع، دفع الجنوب وحده جانبًا كبيرًا من تبعاته ونتائجه الكارثية.
لقد ترتب على ذلك الفشل أن تعرض شعب الجنوب، على مدى عقود، لأشكال متعددة من القهر والظلم والاستبداد والإقصاء والتهميش الذي طال كافة فئات المجتمع الجنوبي فضلا عن نهب الثروات والأستحواذ على كامل مقدرات الدولة الجنوبية ، وهي نتائج لا يمكن فصلها عن الطريقة التي أُديرت بها الوحدة، ولا عن حرب 1994م التي شيعت الوحدة إلى مثواها الأخير وما أعقبها من واقع سياسي وعسكري جديد تم فرضه على الجنوب بالحديد والنار.
ومع ذلك، ظل هناك من يتمسك بوهم الوحدة بصيغتها القديمة، رغم أن الممارسات السياسية التي صاحبتها أسهمت، في نظر كل الجنوبيين، في تقويض الأسس التي كان يفترض أن تقوم عليها الشراكة، وتحويل الوحدة من مشروع شراكة إلى واقع سياسي غلبت عليه الهيمنة والإخضاع.
وفي هذا السياق، تأتي محاولات الحوثيين للتقدم نحو الجنوب ضمن رؤية سياسية تتعامل معه باعتباره جزءًا من مشروع أوسع للسيطرة والنفوذ، أكثر من تعاملها معه باعتباره قضية سياسية وتاريخية لها خصوصيتها وحقوقها ومطالبها.
ولهذا فإن إعادة قراءة التاريخ تصبح ضرورة، لا بهدف استحضار الماضي لمجرد الاستحضار، وإنما لفهم الحاضر بصورة أكثر موضوعية. فالجنوب لم يكن فراغًا سياسيًا أو جغرافيًا بلا ملامح، بل امتلك عبر مراحل مختلفة من تاريخه كيانًا سياسيًا ومؤسسات دولة وعلاقات إقليمية ودولية، وتشكلت داخله هوية سياسية واجتماعية مستقلة ومميزة ، قبل أن يدخل في مشروع الوحدة اليمنية عام 1990.
ومن هنا، فإن محاولة اختزال تاريخ الجنوب وهويته في رواية سياسية واحدة، أو تقديم الوحدة باعتبارها حقيقة تاريخية ثابتة لا تقبل النقاش، لا تساعد على فهم جذور الأزمة اليمنية والجنوبية، بل تساهم في تعقيدها. فالهويات السياسية لا تُصنع بالشعارات، ولا تُلغى بالخطابات، ولا يمكن إعادة تشكيلها بالقوة العسكرية.
لقد أثبتت التجربة خلال العقود الماضية أن تجاهل خصوصية الجنوب، ومحاولة التعامل معه باعتباره مجرد مساحة جغرافية تابعة لمركز سياسي واحد، لم يؤدِّ إلى إنهاء القضية الجنوبية، بل ساهم في تعميقها وترسيخ حضورها في الوعي السياسي والاجتماعي الجنوبي.
والأخطر من ذلك أن استمرار الخطاب الذي ينكر وجود قضية جنوبية ذات جذور سياسية وتاريخية ضاربة جذورها في أعماق التاريخ، ويستبدل بها رواية أحادية عن "اليمننة" أو الوحدة، لا يؤدي إلى إقناع الناس بمثل هذه الخزعبلات والهرطقات التي لا تنطلي على احد بقدر ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بينهم وبين القوى التي تتبنى هذا الخطاب.
فالجنوب طوال تاريخه القديم والحديث والمعاصر عاش خارج سياق التاريخ اليمني ولا ترتبطه أي صلة بهذا المسمى الذي فرض عليه في عام ١٩٦٧م إلا علاقة الجوار مثله مثل باقي دول الجوار التي تحيط بناء، وبالتالي فإنه يصبح من الصعب جدا أن يختزل تاريخ الجنوب بمثل تلك الروايات العبثية التي تضع الجنوب في غير مكانة الطبيعي وفي غير موقعه التاريخي الذي تحدده الجغرافيا. فالجنوب له تاريخه السياسي والثقافي والاجتماعي والنضالي المستقل والمعبر عن إرادة شعبه ، كما أن له تجربة فريدة في بناء دولة ومؤسسات وهوية سياسية تشكلت عبر مراحل تاريخية متعاقبة، وهي حقائق لا يمكن دحضها أو محوها بجرة قلم أو تجاهلها عند البحث عن أي صيغة مستقبلية للحل السياسي الذي لا مناص منه أبدا.
ومن هذا المنطلق، فإن القضية الجنوبية لا ينبغي أن ينظر لها على إنها مجرد تباين في وجهات النظر أو خلاف على المناصب أو السلطة أو تقاسم النفوذ، وإنما باعتبارها قضية سياسية بأمتياز ارتبط وجودها بتحولات سياسية وتاريخية ونضالية عميقة شهدها الجنوب منذ اليوم الأول للوحدة وما تلاها، ثم تفاقمت بصورة أكبر بعد حرب 1994 وما ترتب عليها من نتائج سياسية وعسكرية واجتماعية ما تزال آثارها السلبية حاضرة حتى اليوم.
أما الحوثيون، فإن محاولتهم تقديم مشروعهم للجنوب باعتباره امتدادًا طبيعيًا لمشروع سياسي واحد، أو السعي إلى إخضاعه بالقوة العسكرية، لن يغير من حقيقة أن الجنوب يمتلك خصوصيته السياسية والاجتماعية، وأن أي مستقبل له لا يمكن أن يُبنى على الإكراه أو على إنكار إرادة أبنائه.
فالسيطرة العسكرية، مهما بلغت قوتها، تستطيع أن تفرض أمرًا واقعًا لفترة من الزمن، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تصنع قبولًا سياسيًا، كما أن الخطاب السياسي، مهما كان صاخبًا، لا يستطيع أن يمحو ذاكرة شعب أو يلغي تراكمًا تاريخيًا تشكل خلال مراحل تاريخية عديدة وعبر أجيال.
-------- الخاتمة --------
إن جوهر المشكلة ليس في أن طرفًا يريد أن يفرض روايته على الجنوب، وإنما في الاعتقاد بأن فرض الرواية يمكن أن يفرض الحقيقة. والحقيقة التي ينبغي أن يدركها الجميع، شمالًا وجنوبًا، هي أن الجنوب ليس صفحة بيضاء قابلة لإعادة الكتابة بالقوة، ولا هوية يمكن تغييرها بالشعارات، ولا قضية يمكن تجاوزها بمجرد إنكارها.
فمن أراد الوصول إلى حل عادل ومستقر، فعليه أن يبدأ من الاعتراف بالتاريخ كما تشكل، وبالهوية كما ترسخت، وبالإرادة السياسية لأبناء الجنوب؛ لأن ما عجزت القوة عن محوه طوال سنوات، لن تنجح الخطب والشعارات في إلغائه.