آخر تحديث :الإثنين - 28 سبتمبر 2026 - 09:45 م

كتابات


مجلس تنسيق أبين وتكرار مأساة يافع

الإثنين - 28 سبتمبر 2026 - 09:23 م بتوقيت عدن

مجلس تنسيق أبين وتكرار مأساة يافع

كتب /م. حسين عبدالله بن عطاف

أبين ليست محافظة يمكن أن تجلس فيها مجموعة من الرجال حول طاولة، يضعون ورقة أمامهم ثم يقولون: «اتفقنا».

أبين انفصالية ووحدوية في الوقت نفسه، وانتقالية وإخونجية بالطريقة نفسها، وهي مؤتمرية عفاشية في السياسة، ومضمونها اشتراكي في بعض زواياها، وأحيانًا تكاد تكون قلب رابطة الجنوب العربي.

أبين فيها مشروع الإقليمين على طريقة علي ناصر، والاتحادية على طريقة هادي، والانفصال على طريقة الميسري، وفك الارتباط وفق عقلية الحسني و«تاج»، واستعادة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وفق مشروع محمد علي أحمد، وهي أيضًا الاندماجية المركزية على طريقة أحمد العيسي.

أبين هي الطغمة والزمرة معًا، وهي السلطنات والمشايخ: فضلية وعفيفية وعولقية ودثينة وغيرها. وهي اجتماعيًا طرفية وسفلية ووسطى، وجغرافيًا ساحلية وجبلية وصحراوية، ومناخيًا أرض الدلتا الخصبة وأرض الجدب والحرارة والاعتدال.

أبين هي عباس العسل والشحتور وعلي صالح عباد مقبل، وهي أرض ثابت عبد وقماطة والسلطان الثائر محمد بن عيدروس. وهي أيضًا أرض الجنرالات: سالم قطن، وعلي ناصر هادي، وأحمد سيف اليافعي، وعليوة، وحسين عرب، وطيمس، ومحمد ناصر، وطابور طويل من العسكريين.

وأبين اليوم هي الرهوة وأبو مشعل والعوبان والسيد المرحوم، وهي في نهاية هذا المشهد كله أبو زرعة المحرمي.

هذه هي أبين: كل التناقضات الجنوبية في مساحة واحدة، والنموذج المصغر للجنوب كله؛ خلف كل اسم قصة سياسية، وقضية عسكرية، وامتداد اجتماعي، وحسابات قبلية مختلفة.

فبالله عليكم، كيف يمكن تأسيس مجلس تنسيقي «توافقي» في محافظة بهذا التعقيد؟ وكيف يمكن جمع كل هذه القوى والتناقضات في مجلس واحد، ثم الطلب منه أن يكون بلا لون سياسي ولا طعم ولا رائحة، وبعدها تقديمه باعتباره جسمًا قادرًا على إنتاج مشروع سياسي؟

هل هذا تحرك طبيعي داخل أبين، أم محاولة لتركيب جسم سياسي على محافظة لم تُفهم تركيبتها أصلًا؟

الحكاية، كما تبدو، أن #الرباش اختار تمرير المجلس من نقطة ضعف المحافظة كما يعتقد، وكانت يافع هي البوابة، وكانت زيارته المبالغ فيها لمديرياتها مؤشرًا مبكرًا على ذلك.

يافع الأبينية، سرار ورصد وسباح، تعيش منذ أكثر من خمسين عامًا حالة من التهميش والإقصاء، ليس كجغرافيا فحسب، بل كمكون اجتماعي وقبلي وإداري ظل يبحث عن وزنه الطبيعي داخل أبين دون نتيجة يمكن البناء عليها.

ولهذا كان يفترض منطقيًا أن تكون يافع آخر مكونات أبين استعجالًا لإعلان مجلس التنسيق، وأن تنتظر أولًا وضوح الشراكة والتوازن والحضور والمشروع.

لكن المفاجأة أنها كانت من أوائل المهرولين إليه، قبل أن نرى لهذا المجلس لونًا، أو طعمًا، أو حتى رائحة.

وهنا أسأل: هل هذه هي يافع؟

لا.

يافع ليست بهذا السقوط، ولا بهذا الحضور العدمي. يافع شوكة ميزان الجنوب، وتاريخ حميري ضارب في الأعماق، وقبيلة ذات ثقل اجتماعي وديني لا يمكن اختزالها في مجموعة من الهرولات السياسية.

فلماذا هذه الهرولة غير الحصيفة؟ ولماذا هكذا يافع الأبينية بلا لباقة سياسية ولا حتى قليل من التريث؟

المسألة ليست أن يافع ضد التوافق.

بل لأن من عاش نصف قرن على هامش القرار يفترض أن يسأل أولًا:

توافق مع من؟

وعلى ماذا؟

ومن يمثل من؟

وإلى أين يأخذنا هذا المجلس؟

لكن الحقيقة المؤلمة أن مشكلة يافع الأبينية ليست في دثينة، ولا في آل فضل، ولا في الوضيع، ولا في عقبة ثرة، ولا في الطغمة والزمرة.

مشكلة يافع الحقيقية فيمن يتصدر تمثيلها منذ خمسين عامًا.

جماعة أتقنت فنًا سياسيًا نادرًا: تغيير الجلد مع بقاء الوجه نفسه.

اشتراكيون عند إعلان الوحدة، مؤتمريون بعد صيف 94م، إصلاحيون بعد 2000، حراكيون بعد 2007، انتقاليون بعد 2017، سلفيون بعد 2022، واليوم خليط لا تعرف له تصنيفًا دقيقًا بين السلفنة والإخونج.

بل إن بعض من يتصدر تمثيل يافع في أبين يبدو أن عضويته السياسية أوسع من قاموس الأحزاب نفسه؛ عضو هنا، وعضو هناك، ومشروع اليوم لا يشبه مشروع الأمس، وموقف الغد محفوظ سلفًا تحسبًا لتغير اتجاه الريح.

نحن أبناء سرار ورصد وسباح أصبحنا نسأل:

أين الدفء؟ أين الأمان؟ نشكي معاناتنا لمن؟

كل مرحلة يأتي فيها من يقودنا، يبدل جلده، وكل سلطة يظهر أمامها موقف جديد، وكل مشروع سياسي يجد له ممثلًا جاهزًا من يافع.

لا مشروع ثابت، ولا موقف واضح، ولا بوصلة سياسية تستحق أن تسمى بوصلة.

فقط براعة استثنائية في قراءة اتجاه الريح.

والأطرف أن كل تحول يأتي بتفسير محترم:

«لم نتغير، نحن فقط طورنا موقفنا بما يتناسب مع المرحلة!»

يا سلام!

بهذه العبقرية السياسية تحولت قضية يافع من قضية تهميش تاريخي إلى قضية ممثلين لا يستطيعون البقاء على موقف واحد حتى تنتهي صلاحيته.

ولهذا فإن المفارقة أن يافع، التي يفترض أن تكون آخر مكونات أبين استعجالًا لهذا المجلس، أصبحت من أوائل من طرقوا بابه.

يافع التي كان ينبغي أن تسأل عن لون المجلس وطعمه ورائحته ومشروعه، دخلته قبل أن تعرف حتى إن كان للمجلس لون أصلًا!

أما موقف أبناء المنطقة الوسطى الرافض لهذا المجلس حتى الآن، فأنا أحترمه، بغض النظر عن دوافعه وتفاصيله؛ لأنه على الأقل يقول شيئًا بسيطًا وواضحًا:

لن ندخل قبل أن نفهم إلى أين ندخل.

وهذا، في حد ذاته، موقف يستحق الاحترام.

أما جماعة يافع، فقد دخلت أولًا، ثم بدأت تسأل عن الباب الذي دخلت منه!

وهنا لا أملك إلا السؤال:

هل تغيرت يافع؟

أم أن الذين يتحدثون باسمها هم الذين لا يتوقفون عن تغيير جلودهم؟

مجلس التنسيق يمكن أن يبدأ، ويمكن أن ينتهي، ويمكن أن يغير اسمه وشكله ولونه.

لكن يافع ستبقى، ومأساتها لن تتغير ما دام تمثيلها يُعامل كغنيمة موسمية، وما دام الذين يتحدثون باسمها يغيرون مواقفهم أسرع مما تتغير المشاريع السياسية نفسها.