آخر تحديث :الجمعة - 02 أكتوبر 2026 - 02:15 م

اخبار وتقارير


حين تمنعنا التابوهات من رؤية الواقع العربي

الجمعة - 02 أكتوبر 2026 - 01:56 م بتوقيت عدن

حين تمنعنا التابوهات من رؤية الواقع العربي

قراءة / صالح الفضلي

ثمة مشكلة عربية لا تحظى بما تستحقه من النقاش: لقد اعتدنا كثيرًا على أن لا نرى الواقع كما هو، وإنما كما تسمح لنا التابوهات الاجتماعية والدينية والسياسية والأحكام المسبقة أن نراه.


نحن لا نقرأ الدولة أحيانًا من خلال مصالحها المعلنة ومؤسساتها واتفاقاتها التجارية وتحالفاتها الدبلوماسية، بل من خلال الصورة التي استقرت في أذهاننا عنها. وقد تكون تلك الصورة قديمة، أو عاطفية، أو مذهبية، أو قومية، أو صنعتها الدعاية السياسية.


فالدولة ليست طائفة، والمجتمع ليس حزبًا، والتاجر ليس بالضرورة ممثلًا لحكومة، والمذهب الديني لا يساوي تلقائيًا موقفًا سياسيًا. وفي المقابل، فإن تجاهل المصالح الاقتصادية والجغرافية والمذهبية والتاريخية لأي دولة يجعلنا عاجزين عن فهم سلوكها الحقيقي.

مثلا. الصورة الشائعة لدى قطاع من العرب هي أن البحرين او عُمان دول خليجية عربية بعيدة عن إيران، وأن علاقاتها بطهران لا تتجاوز حدود حسن الجوار والدبلوماسية التقليدية. لكن الوقائع أكثر تعقيدًا. فعُمان دولة إباضية في تركيبتها التاريخية، مع وجود مواطنين سنة وشيعة، ولا تنشر الحكومة إحصاءً رسميًا دقيقًا للتوزيع المذهبي. وتقدر وزارة الخارجية العُمانية أن غالبية العمانيين مسلمون، وأن أغلبهم من الإباضية، مع وجود السنة والشيعة. كما تؤكد القوانين العُمانية مبدأ عدم التمييز على أساس المذهب.

إذن، لا يصح اختزال الدولة العُمانية في ثنائية «سنة وشيعة»، ولا يصح في الوقت نفسه تجاهل البعد المذهبي والتاريخي والجغرافي في فهم شخصيتها السياسية.


والأهم من ذلك أن السياسة العُمانية تجاه إيران ليست مجرد انطباع صحفي. ففي عام 2024 بلغ حجم التبادل التجاري بين عُمان وإيران، وفق بيانات عُمانية رسمية، نحو 512.1 مليون ريال عُماني، أي ما يقارب 1.33 مليار دولار، بزيادة بلغت 52% عن العام السابق. وفي 2025 صادقت مسقط على اتفاق تجارة تفضيلية مع طهران، بهدف تخفيض أو إزالة الرسوم الجمركية على بعض السلع وتعزيز الاستثمار والتعاون الصناعي واللوجستي والزراعي. [مصدر: وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار العُمانية]


هذه ليست أدلة على أن عُمان «تابعة» لإيران، ولا تسمح بذلك النتيجة أصلًا؛ لكنها أدلة واضحة على أن العلاقة الإيرانية ـ العُمانية أعمق من الصورة المبسطة التي يعتقدها كثير من العرب.

وتزداد أهمية ذلك عندما ننتقل من السياسة إلى الاقتصاد اليومي. فبيانات التجارة الدولية لعام 2024 تظهر أن إيران كانت مصدرًا مهمًا لبعض السلع الغذائية التي تدخل السوق العُمانية. فقد استوردت عُمان من إيران أكثر من 53 مليون كيلوغرام من البطيخ والشمام، كما استوردت أكثر من ثلاثة ملايين كيلوغرام من الباذنجان الإيراني. وفي المقابل، لم تكن إيران المصدر الأكبر لكل المنتجات الزراعية؛ فالعنب مثلًا جاءت نسبة مهمة منه من الهند والإمارات ومصر ولبنان. [مصدر: قاعدة بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية UN Comtrade عبر World Integrated Trade Solution]

وهذه التفاصيل الصغيرة تكشف شيئًا أكبر: الجغرافيا الاقتصادية لا تعمل وفق الشعارات السياسية. قد تكون دولتان مختلفتين سياسيًا، لكنهما تتبادلان الغذاء والطاقة والاستثمارات والسفن والخدمات والموانئ. وقد تتخاصم حكومات، بينما تستمر الأسواق في العمل.

وهنا نصل إلى جوهر المشكلة العربية. لقد اعتدنا أن نبحث عن تفسير واحد للأحداث: هذا البلد «مع إيران»، وذاك «مع السعودية»، وثالث «مع الغرب»، ورابع «ضد الشيعة»، وخامس «مع السنة». لكن العلاقات الدولية أكثر تعقيدًا من هذه الخرائط المذهبية. فعُمان، مثلًا، لم تنضم إلى التحالف العسكري الذي قادته السعودية والإمارات في اليمن عام 2015، واختارت بدلًا من ذلك موقع الوسيط، واستضافت مسؤولين حوثيين وأصبحت قناة مهمة في الاتصالات المتعلقة باليمن. وفي 2025 أعلنت مسقط التوصل إلى اتفاق لوقف المواجهة بين الولايات المتحدة والحوثيين. هذه الوقائع تفسر جانبًا من السياسة العُمانية بوصفها سياسة وساطة واحتواء وموازنة للمصالح. [مصدر: رويترز، وتشاثام هاوس]

والأمر نفسه ينطبق على الحديث عن الشيعة في الإمارات والكويت وقطر والبحرين. توجد بالفعل تركيبات مذهبية مختلفة في هذه الدول. وتقدر مصادر دولية أن الشيعة يشكلون نحو 30% من المواطنين في الكويت، بينما تشير تقديرات غير حكومية في البحرين إلى أنهم يشكلون أغلبية المواطنين، وتوجد جماعات شيعية بين المواطنين في الإمارات وقطر. [مصدر: تقارير الحرية الدينية لوزارة الخارجية الأمريكية]

لكن وجود أقلية مذهبية، حتى لو كانت مؤثرة اقتصاديًا أو ثقافيًا، لا يثبت أنها تسيطر على سياسة الدولة، ولا يجوز تحويل الانتماء المذهبي إلى دليل على الولاء السياسي لدولة أخرى. وهنا بالذات ينبغي أن نمارس المكاشفة التي نطالب بها.

والتحرر من التابوه لا يعني استبدال تابوه بآخر. المطلوب هو أن نسأل: ما حجم التجارة؟ ما طبيعة الاتفاقات؟ من هم الشركاء التجاريون؟ ما موقع إيران في الأمن البحري العُماني؟ كيف تنظر مسقط إلى اليمن؟ لماذا تحتفظ بقنوات اتصال مع الحوثيين؟ ما حدود التعاون مع طهران؟ وأين تختلف عُمان عن إيران؟

هذه هي الأسئلة التي ينتج عنها تحليل سياسي، لا إطلاق الأحكام. ومن اللافت أن القوى الغربية تمتلك منذ عقود مؤسسات ضخمة لدراسة المجتمعات العربية: أجهزة دبلوماسية، مراكز أبحاث، أقسام جامعية، أجهزة استخبارات، مؤسسات اقتصادية، وشبكات إعلامية. ولذلك فإن كثيرًا من التحليل الغربي ينظر إلى المنطقة من خلال المصالح والجغرافيا وشبكات التجارة وموازين القوى، وليس من خلال الصورة الشعبية وحدها.

لكن لا ينبغي أيضًا تحويل هذه الملاحظة إلى نظرية مؤامرة تقول إن «الغرب يعرف الحقيقة ولا يريد للعرب أن يعرفوها». هذه دعوى تحتاج إلى دليل مستقل. الأكثر واقعية أن نقول إن الدول الغربية، مثل غيرها من الدول، تبني سياساتها أساسًا على مصالحها الاستراتيجية، ولذلك تستثمر في معرفة المجتمعات التي تتعامل معها. أما مسؤوليتنا نحن فهي أن نمتلك أدوات المعرفة نفسها.

لقد دفعت المنطقة العربية ثمنًا باهظًا من القراءة العاطفية للسياسة. وحين تصبح الطائفة دليلًا على الولاء، والجنسية دليلًا على الموقف السياسي، والتجارة دليلًا على الخيانة، والوساطة دليلًا على التبعية، فإننا لا نقرأ الواقع؛ بل نعيد إنتاج مخاوفنا داخله.

العالم لا ينتظر منا أن نتوقف عن الاختلاف. لكنه يتطلب منا أن نعرف ما الذي نختلف حوله فعلًا. لذلك فإن أول خطوة في إصلاح العلاقات العربية ليست إصدار بيانات جديدة، ولا رفع الشعارات القومية، وإنما بناء ثقافة عربية قادرة على قراءة الأرقام والخرائط والاتفاقات والمصالح، وفصل الدين عن السياسة، والمجتمع عن الدولة، والتاجر عن الحكومة، والانتماء المذهبي عن القرار السياسي.

عندها فقط نستطيع أن نرى عُمان كما هي، وإيران كما هي، والسعودية كما هي، والإمارات والكويت وقطر والبحرين كما هي؛ دولًا ومجتمعات لها مصالح وحسابات وتناقضات، لا مجرد صور جاهزة نضعها في خانات «معنا» و«ضدنا».

المشكلة ليست أن العرب يجهلون بعض الحقائق؛ المشكلة الأخطر أنهم أحيانًا يعرفون الحقيقة، لكنهم يرفضون رؤيتها لأنها لا تنسجم مع الصورة التي اعتادوا عليها.

وهذه الحقيقة، في السياسة كما في الحياة، قد تكون أخطر أنواع الجهل.