لم تكن خريطة الدعوة والتعليم الديني في حضرموت ثابتة على الصورة التي نراها اليوم؛ فقد شهدت العقود الأخيرة تحولات لافتة في انتشار المساجد والأربطة ودور ومراكز العلم، وفي انتقال بعضها من نطاقها المحلي إلى مدن أخرى، وفي ظهور مؤسسات جديدة تتنافس على استقطاب الطلاب والمريدين وتوسيع دائرة تأثيرها.
وقبل عام 1990، كانت سيئون معروفة بمساجدها التاريخية، وفي مقدمتها مساجد الجامع وطه ومسجد الرياض المرتبط بمنصبة آل الحبشي. ولم نكن نعلم شيئا عن مصلى الحبشي في تريم ولم يكن بارزًا في الوعي المحلي بالصورة التي أصبح عليها اليوم.
أما تريم، فقد ارتبط اسمها بمسجد المحضار والجامع والرباط، بوصفها من أبرز معالمها الدينية ومراكزها التقليدية في التعليم والتصوف.
لكن المشهد بدأ يتغير بعد عام 1990، مع تأسيس آل حفيظ مسجد دار المصطفى ورباطه في تريم. وسرعان ما اكتسب دار المصطفى شهرة واسعة، وأصبح أحد أبرز مراكز التعليم الديني، مستقطبًا طلابًا من حضرموت وخارجها، حتى بات حضوره منافسًا لمؤسسات التعليم الديني الأقدم في المدينة، وفي مقدمتها الرباط التقليدي.
ولم يتوقف الأمر عند تريم؛ إذ اتجه دار المصطفى إلى توسيع نطاق حضوره من خلال إنشاء فروع ومراكز في مدن حضرمية أخرى، وفي مقدمتها سيئون. وهكذا انتقلت التجربة من مؤسسة ارتبطت بمدينة بعينها إلى شبكة من المراكز التي تسعى إلى نشر منهجها وتوسيع دائرة طلابها ومريديها.
وفي المقابل، برز منذ سنتين مصلى الحبشي في تريم خلال السنوات الأخيرة، وأخذ يحظى باهتمام وترويج ملحوظين. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل نحن أمام تنافس بين مؤسسات دينية تسعى إلى استعادة حضورها وتوسيع نطاق نشاطها، أم أن الأمر لا يتجاوز توسيع دائرة الدعوة وخدمة المريدين والطلاب؟ لا تتوافر، في حدود المعطيات المطروحة، أدلة كافية للجزم بدوافع القائمين على هذه المؤسسات، لكن تزامن التحركات وتوسع الانتشار يجعلان السؤال جديرًا بالنقاش.
فالتنافس في المجال الديني ليس بالضرورة أمرًا سلبيًا. وقد يكون حافزًا إلى تطوير التعليم، وتحسين البرامج، واستقطاب العلماء، وتوفير فرص أوسع أمام الراغبين في دراسة العلوم الشرعية. غير أن هذا التنافس يطرح أسئلة حول طبيعة العلاقة بين المؤسسات الدينية، وحدود التمايز بينها، وما إذا كان توسيع النفوذ المؤسسي هدفًا قائمًا بذاته، أم وسيلة لنشر المعرفة الدينية وخدمة المجتمع.
واللافت أن اتساع حضور المؤسسات ذات الطابع الصوفي لم يجرِ بمعزل عن انتشار دور العلم والمدارس الدينية ذات التوجه السلفي في حضرموت. وهكذا أصبح المشهد أكثر تنوعًا من حيث المناهج والمرجعيات وأساليب التعليم والاستقطاب. وهذا التنوع قد يعكس حيوية المجتمع الديني، لكنه يستدعي أيضًا قدرًا أكبر من الوضوح بشأن طبيعة البرامج المقدمة، ومستويات التأهيل، وعلاقة التعليم الديني بالتعليم النظامي.
ومن المهم هنا ألا يتحول النقاش إلى مفاضلة بين اتجاه ديني وآخر، أو إلى اتهام مؤسسات بعينها بالسعي إلى الهيمنة من دون أدلة. فحق الدعوة والتعليم الديني مكفول في إطاره القانوني، والاختلاف في المناهج والمرجعيات لا يكفي وحده للحكم على مؤسسة أو التشكيك في مقاصد القائمين عليها. لكن مشروعية النشاط الديني لا تعني إعفاء المؤسسات التعليمية من مسؤولياتها تجاه الأطفال وحقوقهم التعليمية.
ومن هذه الزاوية، يصعب على السلطات، بما فيها وزارة الأوقاف والإرشاد، أن تتخذ موقفًا من مجرد توسع هذه المؤسسات في الدعوة إلى التقوى وتعليم العلوم الشرعية، ما دامت أنشطتها ملتزمة بالقوانين النافذة. وليس من مهام الدولة أن تختار للمجتمع مرجعية دينية بعنينها، أو أن تجعل اختلاف المناهج سببًا للتضييق على مؤسسات التعليم والدعوة.
لكن مسؤولية وزارة التربية والتعليم تبدو أكثر وضوحًا عندما يتعلق الأمر بالمدارس الدينية التي تستقبل الأطفال وتقدم لهم تعليمًا منتظمًا. فالسؤال الأساسي هنا ليس ما إذا كان المنهج صوفيًا أو سلفيًا، بل ما إذا كان الطفل يحصل على حقه الكامل في التعليم الأساسي، وهل يدرس المواد المقررة التي تؤهله لاجتياز المراحل الدراسية والحصول على شهادتي التعليم الأساسي والثانوي.
إن تعليم العلوم الشرعية لا ينبغي أن يكون بديلًا عن تعليم اللغة العربية والرياضيات والعلوم وغيرها من المواد الأساسية التي يحتاج إليها الطفل لمواصلة تعليمه والانخراط في الحياة العامة. كما أن الالتحاق برباط أو مدرسة دينية لا ينبغي أن يتحول إلى مسار يغلق أمام الطالب أبواب الجامعة أو يحصر مستقبله في خيار تعليمي واحد لم يختره بإرادته.
ولذلك، فإن المطلوب من وزارة التربية والتعليم هو حصر المدارس والمؤسسات التي تقدم تعليمًا منتظمًا للأطفال، والتحقق من أوضاعها القانونية، ومراجعة مناهجها وساعات الدراسة فيها، والتأكد من التزامها بالحد الأدنى من متطلبات التعليم النظامي وينبغي أن تشمل الرقابة المؤسسات التابعة لمختلف الاتجاهات الدينية، من دون استثناء أو تمييز، وأن تركز على جودة التعليم ومصلحة الطفل، لا على الهوية الفكرية للمؤسسة.
إن حضرموت، بتاريخها العلمي والديني العريق، ليست بحاجة إلى صراع بين الأربطة والمساجد ومراكز ودور العلم، ولا إلى تحويل التعليم الديني إلى سباق على النفوذ والانتشار. إنها بحاجة إلى مؤسسات تتنافس في جودة ما تقدمه، وفي مستوى علمائها ومدرسيها، وفي قدرتها على تخريج طلاب يجمعون بين المعرفة الدينية والوعي بالعالم المعاصر.
واللافت أن التنافس بين المؤسسات التعليمية برز أيضا في تلك الوفود الدينية التي نشاهدها صباحا ومساء في مطارات القاهرة واسطنبول وجاكرتا وكوالامبور.
واللهم احفظنا.