إنه الواقع الذي يلخّص مأساة الجنوب: إلى متى سيظل الشعب الجنوبي يتحمّل كلفة الأزمات السياسية والاقتصادية، بينما تتفاقم معاناته اليومية، وتتأخر الحلول، وتغيب الآفاق الواضحة لاستعادة دولته؟
إن أخطر ما تواجهه القضية الجنوبية اليوم لا يقتصر على غياب تسوية سياسية عادلة، بل يتمثل أيضاً في اتساع الفجوة بين تطلعات الشعب ومعاناته من الفقر المدقع، وانهيار الخدمات، وتدهور القدرة الشرائية، وبين أداء القيادة السياسية وقدرتها على تقديم مشروع وطني مؤسسي واضح يفتح الطريق نحو المستقبل. فالشعوب لا تستطيع أن تعيش على الوعود وحدها، ولا يمكن مطالبتها بمواصلة الصبر والتضحية إلى ما لا نهاية من دون أن ترى نتائج ملموسة في حياتها اليومية أو تقدماً واضحاً نحو تحقيق تطلعاتها الوطنية.
فالكهرباء والمياه والرواتب والخدمات الأساسية وفرص العمل ليست قضايا هامشية يمكن تأجيلها إلى حين حسم الصراع السياسي، بل هي حقوق أساسية ومسؤوليات مباشرة تقع على عاتق الجهات التي تتولى إدارة الشأن العام أو تدّعي تمثيل تطلعات المواطنين. ولا يمكن فصل النضال من أجل استعادة الدولة عن الدفاع عن كرامة المواطن وحقه في حياة آمنة وكريمة.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤوليتان متلازمتان، إقليمية ودولية من جهة، وجنوبية داخلية من جهة أخرى، لا يجوز أن تكون إحداهما ذريعة للتنصل من الأخرى.
أولاً: مسؤولية الأطراف الإقليمية والدولية
تتمثل هذه المسؤولية في عدم إبقاء القضية الجنوبية رهينة لتسويات سياسية تُصاغ وفق حسابات المصالح والنفوذ، من دون معالجة عادلة لتطلعات شعب الجنوب. فاستقرار المنطقة لا يمكن أن يقوم على تجاهل قضية سياسية ذات جذور تاريخية، ولا على فرض ترتيبات تتجاوز إرادة أصحابها. والمطلوب هو مسار سياسي جاد وواضح يتيح للجنوبيين التعبير عن إرادتهم وتقرير مستقبلهم السياسي، وفق آلية عادلة ومحددة، تضمن أن تكون تطلعاتهم جزءاً أساسياً من أي تسوية شاملة.
ثانياً: مسؤولية قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي
هذه مسؤولية مباشرة لا يمكن اختزالها في الضغوط الخارجية أو تعقيدات المشهد الإقليمي. وهي تقتضي مراجعة أداء المجلس، وإعادة بناء مؤسساته، وتوحيد قراره السياسي، ومعالجة خلافاته الداخلية، وتعزيز قدراته الدبلوماسية، وتقديم رؤية استراتيجية قابلة للتنفيذ، بالتوازي مع الدفاع عن الحقوق المعيشية للسكان.
فشرعية التمثيل السياسي لا ينبغي أن تظل مرتبطة بالشعارات والتعبئة الجماهيرية وحدهما، بل يجب أن تتعزز بالقدرة على التنظيم والإنجاز، وبناء المؤسسات، وإدارة المسؤوليات، والاستجابة لمطالب المواطنين. كما أن التفويض الشعبي، مهما بلغت قوته، لا يمكن اعتباره بديلاً عن العمل المؤسسي أو مبرراً لتأجيل الإصلاح والمساءلة.
لقد أثبتت التجربة أن الحضور الجماهيري الواسع لا يكفي وحده لتحقيق الأهداف الوطنية ما لم يتحول إلى قوة سياسية ومؤسسية منظمة. فالمليونيات والتفويضات الشعبية ليست غاية في حد ذاتها، بل أدوات للتعبير عن الإرادة السياسية وحشد الدعم لمشروع وطني متكامل، قادر على حماية المكتسبات الجنوبية، وإدارة الخلافات، ومواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية.
ومن هنا، فإن استمرار التعثر المؤسسي، وتأخر الإصلاحات، وغياب برنامج سياسي ودبلوماسي محدد الأهداف والوسائل والآجال، يثير تساؤلات جدية حول كيفية إدارة المرحلة الراهنة، ومدى القدرة على استثمار الرصيد الشعبي والسياسي في تحقيق تقدم ملموس. كما أن اتساع الفجوة بين تطلعات الشارع وأداء المؤسسات التي يُفترض أن تمثله قد يؤدي إلى تآكل الثقة بالقيادة، ويضعف قدرة القضية الجنوبية على مواجهة الضغوط والتحديات التي تعترض مسارها.
ولا يمكن تجاهل الأثر المباشر الذي تتركه الأوضاع المعيشية المتدهورة في حياة المواطنين. فحين تتراجع الخدمات، وتتأخر الرواتب، وتتقلص فرص العمل، ويجد المواطن نفسه عاجزاً عن تلبية احتياجات أسرته الأساسية، تصبح الوعود السياسية أقل إقناعاً، وتتسع المسافة بينه وبين المؤسسات التي ينتظر منها الحماية وتحقيق تطلعاته. وإذا استمرت هذه الأوضاع من دون حلول عملية، فإن الإحباط قد يتحول إلى فقدان للثقة، بما ينعكس سلباً على التماسك الداخلي والقدرة على مواصلة العمل الوطني المشترك.
ولا يمكن الجزم بموعد انتهاء هذه المعاناة، في ظل تعقيدات المشهد السياسي والاقتصادي والأمني وتداخل المصالح الإقليمية. غير أن استمرار الوضع من دون تغيير مؤسسي وسياسي جاد ينذر بمزيد من التدهور، ويعمّق شعور المواطن الجنوبي بأن التضحيات التي قدمها لم تتحول بعد إلى تحسن ملموس في حياته أو تقدم واضح نحو استعادة دولته.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة جادة ومسؤولة لأداء المجلس الانتقالي الجنوبي، لا تستهدف إضعافه أو الانتقاص من دوره، بل تسعى إلى تصحيح مساره وتعزيز قدرته على تمثيل القضية الجنوبية. فالنقد المسؤول ليس موقفاً من عدالة القضية، بل تعبير عن الحرص على مستقبلها، وعن القناعة بأن عدالة المطالب الوطنية تحتاج إلى قيادة قادرة على تحويلها إلى مشروع سياسي ومؤسسي قابل للتنفيذ.
ولا ينبغي أن تبقى هذه المراجعة في حدود التصريحات العامة، بل يجب أن تتحول إلى خطوات عملية تشمل إعادة تنظيم الهيئات والمؤسسات، وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات، وتعزيز المشاركة في صنع القرار، وتوحيد الموقف السياسي، ووضع برنامج زمني واضح للأولويات السياسية والمؤسسية والمعيشية، مع آليات معلنة لتقييم النتائج ومساءلة المسؤولين عن التنفيذ.
كما تقتضي المرحلة تطوير العمل الدبلوماسي والقانوني، وبناء علاقات فاعلة مع المؤسسات الإقليمية والدولية، وتقديم خطاب سياسي يستند إلى الحقائق التاريخية والقانونية، ويشرح تطلعات الشعب الجنوبي ومطالبه بوضوح. فالقضية التي تمتلك رصيداً شعبياً وتاريخياً تحتاج أيضاً إلى مؤسسات بحثية وقانونية ودبلوماسية قادرة على صياغة الحجج، وإعداد البدائل، ومتابعة التحولات الدولية، وتحويل التأييد السياسي إلى مسارات عملية تخدم حق الشعب في تقرير مستقبله.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تتحول الخلافات الداخلية أو التباينات بين القوى الجنوبية إلى عامل يستنزف القضية أو يبدد مكتسباتها. فحماية وحدة الصف لا تعني إلغاء الاختلاف أو تعطيل النقد، بل تتطلب إدارة الخلافات بالحوار والمؤسسات، وتوسيع المشاركة، والاتفاق على أولويات وطنية واضحة، وفي مقدمتها حماية حقوق المواطنين وصون الإرادة السياسية الجنوبية والعمل من أجل استعادة الدولة.
إن مستقبل القضية الجنوبية لا يتوقف على عدالة مطالب شعبها فحسب، بل يرتبط أيضاً بقدرة قيادته على الارتقاء إلى مستوى تضحياته وتحويل تطلعاته إلى مشروع وطني واضح المعالم. فالشعب الذي تحمل سنوات طويلة من الصراع والفقر والحرمان يستحق أن يرى نتائج ملموسة في حياته اليومية، وأن يعرف إلى أين تتجه قضيته، وما الخطوات العملية التي تقرّبه من تحقيق أهدافه الوطنية.
ومن هنا، فإن قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي مطالبة بمصارحة الشعب بشأن واقع المرحلة، ومراجعة أدائها، وإعادة بناء مؤسساتها، وتقديم برنامج عملي يربط بين تحسين الأوضاع المعيشية والعمل السياسي والقانوني والدبلوماسي من أجل استعادة الدولة. فالثقة الشعبية ليست تفويضاً مفتوحاً بلا مساءلة، والتضحيات الوطنية ليست رصيداً يجوز استنزافه إلى ما لا نهاية.
لقد دفع الشعب الجنوبي ثمناً باهظاً دفاعاً عن حقه في تقرير مستقبله السياسي، ومن حقه اليوم أن يسأل: ماذا تحقق من هذه التضحيات؟ وما الخطوات العملية التي أُنجزت لتحقيق تطلعاته؟ وما البرنامج الذي يحدد الأولويات والمسؤوليات والآجال؟ وإلى متى سيظل الانتظار بديلاً عن الفعل؟
إن القضية الجنوبية أكبر من أن تُختزل في قيادة بعينها، وأغلى من أن تُترك رهينة للتعثر المؤسسي أو لتضارب المصالح والحسابات السياسية. واستعادة الدولة لن تتحقق بمجرد عدالة المطالب أو اتساع التأييد الشعبي، بل تحتاج إلى قيادة مسؤولة، ومؤسسات فاعلة، ورؤية استراتيجية متكاملة، وعمل سياسي ودبلوماسي منظم، وشعب شريك في تحديد الأولويات وصناعة القرار.
فالمطلوب اليوم ليس مزيداً من الوعود، بل انتقال جاد من إدارة الأزمة إلى بناء الحل، ومن التعبئة الشعبية إلى العمل المؤسسي، ومن الشعارات العامة إلى برنامج وطني محدد الأهداف والمسؤوليات والآجال. برنامج يضع كرامة المواطن وحقوقه المعيشية في صدارة الأولويات، ويحمي وحدة الصف الجنوبي، ويعزز القدرة على الدفاع عن حق الشعب في تقرير مستقبله واستعادة دولته.
إن الشعب الجنوبي لا يطالب بوعود جديدة، بل يريد أن يرى قيادة ترتقي إلى مستوى تضحياته، ومؤسسات تستجيب لتطلعاته، ومساراً سياسياً واضحاً تُترجم فيه الأقوال إلى أفعال. وتلك هي المسؤولية التاريخية التي لا يجوز تأجيلها، ولا يمكن إعفاء أي قيادة تتولى تمثيل القضية الجنوبية من الوفاء بمتطلباتها.