آخر تحديث :السبت - 31 أكتوبر 2026 - 01:51 م

ثقافة - أدب - فن


لماذا تتعدد المؤسسات الثقافية في ساحل حضرموت وتندر في الوادي؟

السبت - 31 أكتوبر 2026 - 01:33 م بتوقيت عدن

لماذا تتعدد المؤسسات الثقافية في ساحل حضرموت وتندر في الوادي؟

مسعود عمشوش

من الواضح أن ساحل حضرموت يشهد أنشطة ثقافية مستمرة وفي غاية الأهمية وأخذت المؤسسات التي تشرف عليها تتعدد وتمدد فإضافة إلى تلك الأنشطة التي تنظم في المكلا. وهناك فعاليات مهمة تقام في الشحر وغيل باوزير وحتى في الديس.


وبالمقابل نلاحظ أن هناك انكماشا للأنشطة الثقافية في وادي حضرموت، ويمكن حصرها في المطلع السنوي ويعض جلسات الديوانيات. ولا يبدو أن المؤسسات الثقافية تغيب تمامًا عن وادي حضرموت، لكنها الموجود منها ذو طابع تراثي وسياحي مثل مؤسسة حضرموت لخدمة التراث، ومركز التراث الحضرمي الثقافي، ومركز سيئون الثقافي التابع لمؤسسة مدارات، إلى جانب ديوانيات ومبادرات ثقافية واجتماعية. وإنما يبدو أن حضورها أقل بروزًا في المشهد الإعلامي مقارنة بما نشهده حاليًا في المكلا. وتظل موسمية أو وأقل من سنوية تلك الفعاليات التي يتعاون مكتب الثقافة في سيؤن وجامعة سيؤن لتنظيمها لإحياء ذكرى هذا الأديب أو ذاك.


أما تفسير التفاوت في بروز المؤسسات، فيمكن النظر إليه من عدة زوايا:

- مركزية المكلا الإدارية والإعلامية. فالمكلا مركز ساحل حضرموت، وتتركز فيها مكاتب حكومية ومنشآت ثقافية بارزة، مثل مركز بلفقيه الثقافي ومتحف المكلا ومكتب الثقافة. وهذا يمنح الأنشطة المنظمة فيها فرصًا أكبر للظهور والتغطية الإعلامية.

-اختلاف طبيعة المبادرات الثقافية. يبدو أن بعض المؤسسات في الساحل تتجه إلى تنظيم الفعاليات العامة والندوات والبرامج الأدبية والفنية، بينما تبرز في الوادي مؤسسات ومبادرات تهتم بالتراث الحضرمي والحرف اليدوية والذاكرة الشعبية. وهذا اختلاف في طبيعة النشاط، وليس دليلًا على غياب الثقافة أو المؤسسات عن الوادي.

- التمويل والرعاية. يمثل هذا الجانب أحد أهم الأسئلة التي تستحق التحقيق. فالنشاط المؤسسي يحتاج إلى تمويل مستمر، سواء من السلطة المحلية أو رجال الأعمال أو الصناديق الثقافية أو المنظمات المانحة. وقد أعلنت ديوانية النخوة الثقافية في سيئون، على سبيل المثال، عن نشاط بالشراكة مع مكتب الثقافة وبتمويل من صندوق التراث والتنمية الثقافية بحضرموت. وهذا يعني أن الوادي يعرف بدوره أشكالًا من الرعاية المؤسسية، وإن كانت المعلومات المتاحة لا تسمح بمقارنة حجم التمويل بين الساحل والوادي.

- الشبكات الاجتماعية والقدرة على استقطاب الرعاة. قد تتمكن بعض المؤسسات من بناء علاقات مستدامة مع رجال الأعمال لاسيما المغتربين (والدواعنة يعتبرون الساحل مركزهم وليس الوادي!)، والجهات الحكومية والمنظمات غير الحكومية ، فتتوسع أنشطتها وتتكرر فعالياتها. لكن لا يجوز افتراض أن هذا العامل يفسر الفارق بين الساحل والوادي قبل معرفة ميزانيات المؤسسات والجهات التي تدعمها فعلًا.

والسؤال الأهم ليس: لماذا توجد مؤسسات كثيرة في الساحل ولا توجد في الوادي، وإنما: لماذا يبدو النشاط الثقافي في المكلا أكثر كثافة وظهورًا في هذه المرحلة؟ وهل يعود ذلك إلى تفاوت الموارد والتمويل، أم إلى تركّز مراكز القرار والرعاية والإعلام، أم إلى اختلاف نمط النشاط الثقافي بين المنطقتين؟ أو أن مثقفي الوادي يتوجسون من تنظيم أنفسهم ضمن مؤسسات ناشطة لأسباب مختلفة؟ وهذه الفرضية تؤيدها مبادرة مركز حضرموت لتنظيم فعاليات مهمة في الوادي لم تستطع أي مؤسسة في الوادي تنظيم فعالية مشابهة لها.

والإجابة الدقيقة تتطلب مقارنة عدد المؤسسات المسجلة في المنطقتين، وميزانياتها، ومصادر تمويلها، وعدد برامجها خلال فترة زمنية واحدة. عندها يمكن تحديد ما إذا كان التفاوت حقيقيًا في حجم النشاط المؤسسي أم أنه تفاوت في الظهور الإعلامي فحسب.


ما طبيعة المؤسسات الثقافية في ساحل حضرموت؟

في ساحل حضرموت، هل نحن أمام أنشطة ثقافية مستقلة ومتوازية، أم أمام شبكة من المؤسسات تتقاطع في إدارتها ورعايتها ومصادر تمويلها ؟ فهناك اليوم في المكلا :

1-مكتب وزارة الثقافة بساحل حضرموت وهذه جهة حكومية رسمية، وليست مؤسسة أهلية. وقد صدر في 5 أكتوبر 2026 قرار بتكليف الروائي عمار الطويل مبارك باطويل مديرًا عامًا للمكتب.

ويتمثل دورها في تنظيم الأنشطة الثقافية ورعاية المبدعين والتنسيق مع المؤسسات والمنتديات الثقافية. وقد أعلنت دعمها للأنشطة الجديدة التي تسهم في تنشيط الحياة الثقافية والإعلامية بالمحافظة.

وهناك مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، وهو مركز بحثي يُعرّف نفسه بأنه مستقل، وتتمحور أنشطته حول الدراسات التاريخية والتوثيق والترجمة والنشر وإصدار مجلة حضرموت الثقافية. ويرأسه البروفيسور عبدالله سعيد الجعيدي، وقد تأسس عام 2015.

وللمركز نشاط مؤسسي ممتد، ولا يقتصر دوره على الفعاليات العامة؛ إذ يعمل أيضًا على إنتاج المعرفة التاريخية وتوثيق التراث الحضرمي وإصدار الكتب والدوريات. وقد حظي باهتمام معلن من السلطة المحلية، بما في ذلك توجيه المحافظ السابق مبخوت بن ماضي بدعم استمرار إصدار مجلة حضرموت الثقافية.

‏

واليوم تحتفي مؤسسة آفاق وطن للتنمية الثقافية والتدريب الإعلامي بأول أنشطتها المهمة، وعمليا يقودها صالح حسين الفردي مديرها التنفيذي ويرأس مجلس أمنائها خالد أحمد القحوم،. وتعلن المؤسسة اهتمامها بالتنمية الثقافية والتدريب الإعلامي وبناء قدرات الشباب وتعزيز الوعي المجتمعي، وكانت قد دشنت نشاطها في 17 أكتوبر 2026 بإهداء أكثر من 500 كتاب وموسوعة ومجلة إلى المكتبة السلطانية في المكلا، ضمن برنامج للاحتفاء بمرور 85 عامًا على تأسيسها. وحظيت الفعالية بإشراف مكتب الثقافة، مع إعلان رعاية السلطة المحلية للمرحلة التالية من البرنامج.


في تقديري، القضية ليست في كثرة الندوات والفعاليات وحدها، بل في الهيكل المؤسسي والمالي الذي يقف خلف هذا النشاط الثقافي المتزايد.

يمكن بناء تحقيق صحفي جاد على أربعة أسئلة محددة:

• مصادر التمويل: من موّل تأسيس كل مؤسسة، ومن يتحمل نفقات مقارها ورواتب موظفيها وفعالياتها وإصداراتها؟

• العلاقات المؤسسية: هل توجد اتفاقيات تعاون أو شراكات مالية بين مكتب الثقافة ومركز حضرموت ومؤسسة آفاق وطن ومؤسسة حضرموت للثقافة؟

• الشفافية: هل تنشر هذه الجهات تقارير مالية سنوية أو قوائم بالمانحين والرعاة وقيمة مساهمة كل منهم؟

• استقلالية البرامج: كيف تُختار موضوعات الندوات والكتب والضيوف، وهل توجد آليات معلنة لضمان استقلال القرار الثقافي عن الجهات الممولة؟

والأهم هو عدم افتراض أن تشابه الأنشطة أو تزامنها يعني بالضرورة وجود إدارة مشتركة أو مصدر تمويل موحد؛ فذلك احتمال يحتاج إلى وثائق.


المؤسسات الثقافية لا تغيب تمامًا عن وادي حضرموت، وإنما يبدو أن حضورها أقل بروزًا في المشهد الإعلامي مقارنة بما نشهده حاليًا في المكلا. ففي سيئون توجد مؤسسة حضرموت لخدمة التراث، ومركز التراث الحضرمي الثقافي، ومركز سيئون الثقافي التابع لمؤسسة مدارات، إلى جانب ديوانيات ومبادرات ثقافية واجتماعية. وقد شهد الوادي أنشطة ثقافية موثقة خلال عام 2026 أيضًا.


أما تفسير التفاوت في بروز المؤسسات، فيمكن النظر إليه من عدة زوايا:

أولًا: مركزية المكلا الإدارية والإعلامية. فالمكلا مركز ساحل حضرموت، وتتركز فيها مكاتب حكومية ومنشآت ثقافية بارزة، مثل مركز بلفقيه الثقافي ومتحف المكلا ومكتب الثقافة. وهذا يمنح الأنشطة المنظمة فيها فرصًا أكبر للظهور والتغطية الإعلامية.


ثانيًا: اختلاف طبيعة المبادرات الثقافية. يبدو أن بعض المؤسسات في الساحل تتجه إلى تنظيم الفعاليات العامة والندوات والبرامج الأدبية والفنية، بينما تبرز في الوادي مؤسسات ومبادرات تهتم بالتراث الحضرمي والحرف اليدوية والذاكرة الشعبية. وهذا اختلاف في طبيعة النشاط، وليس دليلًا على غياب الثقافة أو المؤسسات عن الوادي.


ثالثًا: التمويل والرعاية. يمثل هذا الجانب أحد أهم الأسئلة التي تستحق التحقيق. فالنشاط المؤسسي يحتاج إلى تمويل مستمر، سواء من السلطة المحلية أو رجال الأعمال أو الصناديق الثقافية أو المنظمات المانحة. وقد أعلنت ديوانية النخوة الثقافية في سيئون، على سبيل المثال، عن نشاط بالشراكة مع مكتب الثقافة وبتمويل من صندوق التراث والتنمية الثقافية بحضرموت. وهذا يعني أن الوادي يعرف بدوره أشكالًا من الرعاية المؤسسية، وإن كانت المعلومات المتاحة لا تسمح بمقارنة حجم التمويل بين الساحل والوادي.


رابعًا: الشبكات الاجتماعية والقدرة على استقطاب الرعاة. قد تتمكن بعض المؤسسات من بناء علاقات مستدامة مع رجال الأعمال والجهات الحكومية والمانحين، فتتوسع أنشطتها وتتكرر فعالياتها. لكن لا يجوز افتراض أن هذا العامل يفسر الفارق بين الساحل والوادي قبل معرفة ميزانيات المؤسسات والجهات التي تدعمها فعلًا.

الخلاصة الصحفية: السؤال الأعمق ليس لماذا توجد مؤسسات كثيرة في الساحل ولا توجد في الوادي، لأن هذه الفرضية لا تؤيدها الوقائع المنشورة، وإنما: لماذا يبدو النشاط الثقافي في المكلا أكثر كثافة وظهورًا في هذه المرحلة؟ وهل يعود ذلك إلى تفاوت الموارد والتمويل، أم إلى تركّز مراكز القرار والرعاية والإعلام، أم إلى اختلاف نمط النشاط الثقافي بين المنطقتين؟

والإجابة الدقيقة تتطلب مقارنة عدد المؤسسات المسجلة في المنطقتين، وميزانياتها، ومصادر تمويلها، وعدد برامجها خلال فترة زمنية واحدة. عندها يمكن تحديد ما إذا كان التفاوت حقيقيًا في حجم النشاط المؤسسي أم أنه تفاوت في الظهور الإعلامي فحسب.