لا خلاف على أن الدراجات النارية أصبحت جزءاً من المشهد اليومي في العاصمة عدن، ومصدراً للرزق لعدد كبير من المواطنين الذين يعتمدون عليها في توفير احتياجات أسرهم، سواء من خلال العمل في النقل أو التأجير أو غيرهما من الأنشطة المرتبطة بها.
لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل ما أفرزه الانتشار العشوائي لهذه الدراجات من مشكلات مرورية وسلوكية باتت تشكل مصدر إزعاج وخطر على حياة المواطنين وسلامتهم.
فقد تحولت بعض الشوارع والأرصفة إلى مواقف وتجمعات عشوائية للدراجات النارية، وأصبح بعضها يزاحم المشاة، ويعيق حركة السير، ويغلق مداخل الطرق، فضلاً عن مخالفات مرورية متكررة، وقيادة متهورة، وعدم الالتزام بالمسارات والاتجاهات المحددة، وما ينتج عن ذلك من حوادث وإصابات وخسائر بشرية ومادية.
ولا تقف المشكلة عند حدود المخالفات المرورية، بل تمتد إلى نشاط تأجير الدراجات النارية، الذي ينبغي أن يخضع لتراخيص قانونية واضحة، وشروط محددة تضمن معرفة الجهات المختصة بأصحاب هذه الأنشطة، ومسؤوليتهم عن الدراجات التي يضعونها في الخدمة، ومدى التزامها بمتطلبات السلامة والقوانين المنظمة للعمل.
ومن هنا، فإن حملة سحب الدراجات النارية المخالفة في عدن يمكن النظر إليها باعتبارها إجراءً يستهدف الحد من الفوضى المرورية، شريطة أن تستند إلى القانون، وأن تكون جزءاً من خطة تنظيمية متكاملة، لا مجرد حملة مؤقتة تنتهي بانتهاء أعمال الضبط.
الحل لا يكمن في المنع الشامل، ولا في ترك الأمور على حالها، وإنما في وضع منظومة تنظيمية واضحة تتضمن جملة من الإجراءات، أبرزها:
1. ترخيص الدراجات النارية:
إلزام جميع الدراجات بالتسجيل والترقيم واستخراج الوثائق القانونية، والتحقق من ملكيتها ومطابقتها لاشتراطات السلامة.
2. تنظيم نشاط التأجير:
عدم السماح بمزاولة تأجير الدراجات النارية إلا بترخيص رسمي، مع تحديد مسؤوليات المالك والمستأجر، وتوثيق بيانات المستأجرين وفق الإجراءات القانونية.
3. تحديد مسارات الحركة:
تخصيص مسارات أو نطاقات مناسبة لحركة الدراجات النارية في الشوارع التي تسمح طبيعتها بذلك، ومنعها من استخدام الأرصفة وممرات المشاة أو مزاحمة المركبات والمارة بصورة تعرضهم للخطر.
4. تخصيص مواقف وأماكن تجمع:
تحديد مواقع رسمية لوقوف الدراجات النارية وتجميعها، ومنع تحويل الأرصفة ومداخل الأسواق والمرافق العامة إلى مواقف عشوائية.
5. فرض آداب وقواعد القيادة:
إلزام السائقين باحترام إشارات المرور، والالتزام بالاتجاهات والسرعات المحددة، واستخدام الخوذ الواقية، وعدم القيادة المتهورة أو حمل أعداد تزيد على المسموح به قانوناً.
6. تطبيق العقوبات تدريجياً:
فرض غرامات على المخالفات، وحجز الدراجات غير المرخصة أو التي تشكل خطراً، واتخاذ إجراءات مشددة بحق المتكررين، وفق القانون ودون استثناءات.
7. التوعية والتثقيف المروري:
تنفيذ حملات توعية تستهدف السائقين وأصحاب محال التأجير، لتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم، وترسيخ ثقافة احترام الطريق وحقوق الآخرين.
وفي هذا السياق، ينبغي أن تتولى الجهات المختصة، وفي مقدمتها شرطة المرور والسلطة المحلية، إعداد لائحة تنظيمية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، تتضمن شروط الترخيص، وآليات الرقابة، والمسارات والمواقف المخصصة، والعقوبات المترتبة على المخالفات.
كما ينبغي مراعاة أوضاع أصحاب الدراجات الذين يعتمدون عليها كمصدر دخل، ومنحهم مهلة معقولة لتصحيح أوضاعهم واستكمال التراخيص المطلوبة، بدلاً من أن تكون الإجراءات سبباً في الإضرار بأسرهم دون إتاحة فرصة لتسوية أوضاعهم القانونية.
إن عدن لا تحتاج إلى مزيد من الفوضى، ولا إلى قرارات ترتجل الحلول، وإنما تحتاج إلى قانون يُطبق على الجميع، وتنظيم يحفظ للمواطن حقه في الطريق، وللعامل حقه في كسب الرزق.
فالشارع ليس ملكاً لسائق دراجة، ولا لسائق سيارة، ولا لأحد بعينه. إنه حق مشترك للجميع، واحترامه مسؤولية لا تقبل التجزئة.
والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع واضحة:
من حقك أن تعمل، لكن ليس من حقك أن تعرّض حياة الآخرين للخطر أو تعتدي على حقهم في الطريق.
نريد دراجات نارية تعمل وفق القانون، لا دراجات تحكمها الفوضى. ونريد حملة تعيد النظام إلى الشوارع، لا حملة تنتهي آثارها بمجرد انتهاء إجراءات الضبط.