بالأمس مرت علينا ذكرى توقيع اتفاق الرياض (1) في الخامس من نوفمبر مرور الكرام وكأنها محطة سياسية عابرة في سجل الأحداث اليمنية مع أن مشهد التوقيع ذاته يحمل دلالات تتجاوز مضمون الاتفاق إلى طبيعة البروتوكول السياسي الذي حكم وما زال يحكم بعض مسارات التفاوض المتعلقة بالجنوب..
ولعل أكثر ما يستوقفني في ذلك المشهد هو جلوس شخصيتين جنوبيتين على طاولة التوقيع هما سالم أحمد الخنبشي ممثلا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا آنذاك والدكتور ناصر الخبجي ممثلا للمجلس الانتقالي الجنوبي . شخصيتان تنتميان إلى الجغرافيا ذاتها وتحملان تاريخا اجتماعيا مشتركا لكنهما حضرتا بصفتيْن سياسيتين ومؤسسيتين مختلفتين و مصدرَي تمثيل وتفويض متباينين..وهنا لا أرى في انتمائهما الجنوبي نقيصة سياسية ولا أجد في اختلاف صفتيهما تناقضا في الهوية أو الانتماء وإنما أرى في الصورة مدخلا لمساءلة أعمق تتعلق بهندسة التفاوض ومن يحدد أطرافه ومن يملك حق التوقيع ومن يحتفظ بالقرار النهائي..ولكي نفهم دلالة هذا المشهد علينا العودة إلى اتفاق إعلان الوحدة اليمنية عام 1990م حين وقع الاتفاق علي عبدالله صالح وعلي سالم البيض باعتبارهما قيادتين تمثلان دولتين قائمتين قبل الوحدة.
كانت تلك لحظة تأسيسية قامت على تفاوض بين طرفين سياسيين لكل منهما كيانه وصفته ومركزه القانوني والسياسي وكانت الندية حاضرة في بنية الاتفاق وفي طبيعة التمثيل الذي سبق قيام الدولة الموحدة..لكن حرب صيف 1994م أحدثت تحولا جوهريا في موازين القوة وفي طبيعة الشراكة ومراكز القرار وأعادت تشكيل العلاقة السياسية بين الشمال والجنوب على نحو مختلف عن المعادلة التي تأسست عليها الوحدة..ومنذ ذلك التحول أخذت بعض الترتيبات السياسية اللاحقة تكشف عن نمط مختلف في إدارة التمثيل والتفاوض . فبدلا من ظهور طرفين متقابلين بصفتهما السياسية والجغرافية المستقلة قبل الوحدة أصبحنا نشهد في بعض الاتفاقات شخصيتين جنوبيتين تتوليان التوقيع عن طرفين سياسيين مختلفين بينما تظهر قيادات أخرى في مواقع الرعاية أو الإشراف أو الحضور السياسي الأعلى..وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي تجاوزه..هل تغيرت فقط طبيعة الأطراف الموقعة أم تغيرت معها هندسة التفاوض ومراكز صناعة القرار؟
إنني لا أقول إن كل اتفاق يتعلق بالجنوب يجب أن يوقعه شخص شمالي في مواجهة شخص جنوبي ولا أرى أن الانتماء الجغرافي وحده معيار كاف لتحديد الندية..كما لا يجوز إنكار الصفة الرسمية لجنوبي يعمل في مؤسسات الحكومة اليمنية أو مصادرة حق جنوبي آخر في تمثيل مكون سياسي مختلف..لكن المسألة تتجاوز الأشخاص إلى طبيعة التفويض ومصدر السلطة التفاوضية ومدى استقلال الإرادة السياسية لكل طرف..فالخنبشي وقع بصفته ممثلا للحكومة اليمنية والخبجي وقع بصفته ممثلا للمجلس الانتقالي الجنوبي ولم يكن أي منهما ممثلا للشمال أو محتكرا للتمثيل الجنوبي..ومع ذلك فإن وجود شخصيتين جنوبيتين على طرفي التوقيع يفتح باب التساؤل عن طبيعة المعادلة التي جعلت الجنوب حاضرا بتمثيلات متعددة في حين أن الرعاية السياسية ومراكز التأثير وصناعة التسوية قد تتجاوز الأطراف الموقعة ذاتها..
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات لا يجوز الخلط بينها وهي الانتماء الجغرافي والصفة المؤسسية ومصدر التفويض السياسي . فقد تتعدد الصفات داخل الجغرافيا الواحدة لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقق الندية في التفاوض..وقد يتساوى الموقعون في الصورة البروتوكولية بينما تتفاوت قدرتهم على صياغة القرار أو تعديله أو رفضه أو ضمان تنفيذه..فالندية ليست مقعدين متقابلين ولا توقيعين متساويين ولا صورة تجمع شخصيتين من جغرافيا مختلفة وإنما هي تكافؤ في الحق التفاوضي ووضوح في التفويض واستقلال في الإرادة وقدرة حقيقية على المشاركة في صناعة الالتزامات وتحديد المستقبل..
ومن هنا فإن السؤال السياسي والقانوني الأهم ليس من الذي وقع الاتفاق وإنما من الذي امتلك سلطة التفاوض ومن الذي حدد سقف التفاهمات ومن الذي امتلك القرار النهائي ومن الذي تحمل تبعات الالتزامات..وهل كان تعدد التمثيل الجنوبي تعبيرا عن تعددية سياسية طبيعية أم أن بعض صيغ التفاوض أسهمت في نقل القضية من موقع الطرف المؤسس إلى موقع الملف الذي تتعدد الجهات المتحدثة باسمه وتدار تسوياته ضمن مراكز قرار أوسع؟إنني أطرح هذه الأسئلة دون تخوين لأحد ودون انتقاص من صفة أي طرف ودون مصادرة حق الجنوبيين في الاختلاف السياسي..فالجنوب ليس ملكا لمكون واحد ولا يجوز اختزال إرادته في شخص أو جماعة أو مشروع سياسي بعينه..لكن التعدد لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الندية كما أن تعدد المتحدثين باسم القضية لا يغني عن وضوح صاحب الحق في تقرير مستقبلها..ولذلك فإن استعادة مفهوم الندية لا تعني العودة إلى احتكار التمثيل ولا تعني فرض تطابق سياسي بين أبناء الجنوب وإنما تعني أن تكون الإرادة الجنوبية حاضرة في أي تسوية تتعلق بمستقبل الجنوب حضورا حقيقيا قائما على التفويض والاختيار والمشاركة في صناعة القرار لا على مجرد الحضور البروتوكولي أو التوقيع على ترتيبات صيغت في مستويات أخرى..
وهنا أعود إلى العنوان الذي اخترته من بروتوكولات الهيمنة إلى بروتوكولات الندية اليمنية لا باعتباره إحالة إلى نصوص أو نظريات تاريخية مزعومة وإنما باعتباره تساؤلا عن هندسة البروتوكول السياسي..وكيف يمكن للصورة والترتيب وموقع الجلوس وصفة الموقع أن تكشف عن طبيعة السلطة ومراكز القرار..فالبروتوكول في السياسة ليس مجرد ترتيب للمقاعد أو تحديد لمواضع التوقيع وإنما قد يكون انعكاسا لترتيب النفوذ وتوزيع الأدوار وتحديد من يتحدث ومن يقرر ومن يملك سلطة الالتزام..
والسؤال الذي أتركه مفتوحا للنقاش..هل انتقلنا من معادلة الندية بين طرفين مؤسسين إلى معادلة تتعدد فيها التمثيلات الجنوبية بينما تظل صناعة القرار في مستويات أخرى؟ وهل المطلوب اليوم إعادة ترتيب المقاعد أم إعادة تأسيس قواعد التفاوض ومصادر التفويض وضمانات الشراكة؟
إن جوهر المسألة ليس من يجلس على الطاولة وإنما من يملك حق تحديد شكلها ومن يضع شروطها ومن يمتلك القرار عند نهايتها..فالندية لا تصنعها صورة التوقيع وإنما تصنعها إرادة مستقلة وتفويض واضح وحق متكافئ في صناعة القرار .
كتب المحامي جسار فاروق مكاوي ـ عدن .