آخر تحديث :الخميس - 01 يناير 2026 - 10:51 م

كتابات واقلام


الجنوب… بين مشروع الحرب الثالثة وعدالة القضية وموازين الإرادة الدولية

الخميس - 01 يناير 2026 - الساعة 09:31 م

فؤاد جباري
بقلم: فؤاد جباري - ارشيف الكاتب


في مشهد سياسي بالغ التعقيد، كانت هناك محاولات حثيثة لإعادة تدوير مشروع الحرب ضد الجنوب وإحياء أجندات قديمة بلبوس جديد؛ فقد اندفعت القوى الإخوانية داخل ما تسمى بالشرعية بقيادة العليمي، نحو خيار المغامرة العسكرية، فحشدت آلاف العناصر من تشكيلات مليشياوية ذات هوية أيديولوجية متطرفة، مستندة إلى بقايا التنظيمات الإرهابية من القاعدة وداعش وبعض المقاتلين المرتبطين بمشاريع عابرة للحدود (العرب الافغان)، في منطقة العبر، للتهيؤ لشن "الحرب الثالثة" على الجنوب، سبقتها فتاوى نفعية من مشائخ محسوبين على تنظيم الإخوان العالمي في دول مجاورة.

لم يكن هذا التحشيد مجرد تحرك عسكري، بل كان جزءًا من منظومة متكاملة تقف خلفها منصات إعلامية صفراء، وأذرع دعائية مأجورة، يتحرك فيها ذباب إلكتروني ونشطاء مرتزقة يعملون على التضليل وصناعة الأكاذيب وتزييف الوعي العام، ظنا منهم أن هذا سيمنح العليمي وجموعه غطاءً أخلاقيًا أو سياسيًا للعودة إلى الاستيلاء على أرض الجنوب وإجهاض مشروعه الوطني.

لكن ما لم يدركه مهندسو هذا المشروع أن العالم تغير… وأن السرديات الزائفة حول "حقوق الإنسان" و"حماية المدنيين" لم تعد صالحة للاستخدام كغطاء للتدخلات السياسية والعسكرية؛ فالإرادة الدولية كانت يقظة، تقرأ المشهد بعين استراتيجية، وتدرك حقيقة الأطراف الفاعلة، وتعلم خلفيات القوى التي يجري تحشيدها وأجنداتها العميقة. ومع تلك اليقظة الدولية، سقطت رهانات التضليل، وتبدد الوهم، وانكشف حجم المأزق الذي أوقعت تلك القوى نفسها فيه، بعدما كانت تراهن على كسب التعاطف الخارجي عبر خطاب إنساني زائف لا يمت للواقع بصلة.

أما السعودية الشقيقة، فإن احترام الشعب الجنوبي وقيادته السياسية والعسكرية لمكانتها ودورها يبقى ثابتًا رغم اختلاف الرؤى في بعض المحطات. نعم، ربما اختيرت أدوات غير مناسبة لإدارة بعض الملفات، وربما تمت قراءة المشهد بطريقة لم تكن دقيقة بما يكفي، لكن الثابت أن الجنوب لا يزال ينظر إلى السعودية بوصفها شريكًا استراتيجيًا وجارًا ذا مكانة كبرى، ويبادلها الود والوفاء، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أمن المملكة واستقرارها جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار الجنوب والإقليم… شرط أن يحترم في المقابل الحق الجنوبي ومشروعه العادل وإرادته الوطنية الحرة.

اليوم لم يعد خافيًا على أحد — لا على الولايات المتحدة، ولا بريطانيا، ولا على عواصم القرار الإقليمي — أن أمن المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، ومعهما أمن المنطقة والممرات البحرية الدولية، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود القوات الجنوبية الحكومية في حضرموت والمهرة. هذه القوات ليست مجرد تشكيلات عسكرية، بل هي صمام أمان حقيقي، نجحت في قطع الطريق أمام تمدد الجماعات الإرهابية، ومنعت شبكات تهريب السلاح إلى مليشيا الحوثي، وتعاملت بحزم مع شبكات الجريمة المنظمة، بما فيها المصافي النفطية خارج القانون، ومصانع المخدرات التي كانت قد حاولت إيران نقلها إلى مناطق معينة في المهرة لتمويل مشاريعها التخريبية، قبل أن تجهض تلك المخططات على يد القوات الجنوبية عند تحرير محافظتي حضرموت والمهرة من مليشيات الإخوان.

إن الجنوب اليوم ليس مشروع نزق سياسي أو اندفاع شعاراتي، بل هو مشروع وطني متكامل، يمتلك رؤية أمنية واستراتيجية تسهم في حماية الإقليم، وتثبيت الاستقرار، ومواجهة التطرف والإرهاب، وإغلاق المنافذ أمام عبث القوى التي تعيش على الفوضى. ومن هنا، فإن أي محاولة لتهميش دور الجنوب أو استهدافه ليست فقط إساءة لشعبه وقضيته، بل هي مغامرة غير محسوبة تمس الأمن الإقليمي والدولي برمته.

وعليه، فإن الرسالة الواضحة هي: الجنوب ثابت في أرضه، راسخ في مشروعه، منفتح على الشراكات العربية والإقليمية، ووفي لاختياراته وتحالفاته، لكنه في الوقت ذاته واع لمصالحه الوطنية العليا، ولن يسمح بإعادة إنتاج دوائر الفوضى على حساب مستقبله وأمن شعبه، ولا على حساب أمن المنطقة بأسرها.