آخر تحديث :الإثنين - 23 فبراير 2026 - 04:08 ص

كتابات واقلام


حين تُحاصَر الكلمة… اعلم أنها أصابت هدفها

الإثنين - 23 فبراير 2026 - الساعة 02:34 ص

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


في زمنٍ باتت فيه المنصات الرقمية هي الساحة الكبرى لتداول الرأي، أصبح من الطبيعي أن يتردد بعض المتابعين في التفاعل العلني مع محتوى يحمل مواقف واضحة أو يطرح قضايا حساسة. نفهم هذا التردد، وندرك أن لكل شخص حساباته وظروفه. فالإعجاب أو التعليق لم يعد مجرد نقرة عابرة، بل قد يُقرأ أحيانًا كموقف مُعلن في فضاء لا ينسى.

لكن ما لا يمكن اعتباره أمرًا طبيعيًا هو أن تُفرض قيود خفية تُقلّص وصول المحتوى إلى جمهوره، وأن تُحاصر الكلمة عبر سياسات تُطبق بصمت، فتُخفض نسب الظهور، وتُعقّد سبل الانتشار، وتُجعل الرسالة كأنها تُلقى في فراغ. هنا لا يعود الحديث عن تفاعل الأفراد، بل عن قرارٍ مُمنهج يهدف إلى ضبط مساحة التأثير.
هذه التحولات تكشف أن المعركة لم تعد مجرد اختلاف في الآراء، بل صراع على مساحة الوعي ذاته. حين يُضيَّق على خطابٍ ما، فذلك يعني أنه خرج من دائرة الهامش إلى دائرة التأثير. لم يعد مجرد رأي عابر في زحمة الآراء، بل صار قوة ناعمة تُحرج، وتُقلق، وربما تُربك حسابات أكبر مما نظن.

المفارقة أن محاولات التضييق كثيرًا ما تأتي بنتائج عكسية. فكلما اشتد الحصار على الكلمة، ازدادت قيمتها في نظر جمهورها. وكلما حاولت السياسات الخفية تقليص أثرها، أكدت – دون قصد – أنها باتت تملك وزنًا لا يُستهان به. فالصوت الذي لا يؤثر لا يُحارَب، والرأي الذي لا يتجاوز مداه لا يُخشى.
لسنا واهمين بأن الطريق مفروش بالورود، ولا بأن المنصات فضاءات محايدة بالكامل. لكنها تبقى أدوات، تتغير سياساتها وتخضع لتوازنات معقدة. ما يبقى ثابتًا هو أن الكلمة الصادقة تجد طريقها، ولو بعد حين. فالتاريخ لم يُكتب يومًا بقرارات الحجب، بل بإصرار من آمنوا أن التعبير مسؤولية لا امتيازًا مؤقتًا.

إن التضييق قد يُبطئ الانتشار، لكنه لا يُلغي الفكرة. وقد يحجب المنشور، لكنه لا يمحو القناعة. وفي النهاية، الكلمة التي تُربك الأقوياء اليوم، قد تكون هي ذاتها التي تُعيد رسم المشهد غدًا.

الصحفي صالح حقروص
2026/2/23م