آخر تحديث :السبت - 11 أبريل 2026 - 02:52 م

كتابات واقلام


بين ضرورات التحالف وحدود الشراكة

السبت - 11 أبريل 2026 - الساعة 01:24 م

عبدالكريم أحمد سعيد
بقلم: عبدالكريم أحمد سعيد - ارشيف الكاتب


لم تكن العلاقة التي نشأت بين المجلس الانتقالي الجنوبي وما يعرف بـالشرعية اليمنية والتحالف العربي وليدة رؤية سياسية متكاملة بقدر ما كانت استجابة ظرفية لتعقيدات الحرب وتشابكاتها الإقليمية. فمنذ البدايات، بدا واضحاً أن هذه العلاقة تأسست على تقاطع مصالح مرحلي أكثر من كونها شراكة استراتيجية قائمة على أهداف مشتركة محددة المعالم.

في جوهرها، حمل كل طرف مشروعاً مختلفاً ، بل ومتعارضاً في بعض جوانبه. المجلس الانتقالي الجنوبي انطلق من هدف استعادة الدولة الجنوبية بوصفه تعبيراً عن الإرادة السياسية لشعب الجنوب وإطاراً مرجعياً غير قابل للتأجيل، في حين تمسكت الشرعية بخيار الدولة اليمنية الموحدة، ولو بصيغ معدلة. أما التحالف العربي، فقد تعامل مع المشهد من زاوية أمنية وإقليمية أوسع، ترتبط بحسابات المملكة العربية السعودية ومصالحها الاستراتيجية، أكثر من ارتباطها بإعادة صياغة التوازنات السياسية الداخلية أو الاعتراف بطبيعة القضية الجنوبية كقضية وطنية سياسية قائمة بذاتها.

هذا التباين البنيوي لم يعالج منذ البداية، بل جرى احتواؤه ضمن أطر تنظيمية مؤقتة، أبرزها اتفاق الرياض، الذي سعى إلى إدارة الخلافات بدلًا من حلها. ورغم ما وفره الاتفاق من آليات لخفض التصعيد وإعادة ترتيب بعض الجوانب الإدارية والأمنية، إلا أنه لم يلامس جوهر قضية شعب الجنوب، وظل بمثابة إطار إجرائي هش، قابل للاهتزاز مع أي تغير في موازين القوى، بل وأداة لإعادة إنتاج الاختلال ومحاولات احتواء المشروع الجنوبي في بعض مراحله.
على المستوى العسكري، برزت القوات الجنوبية كفاعل ميداني رئيسي، خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب وتأمين المدن الحيوية، وقدمت تضحيات كبيرة في سبيل تثبيت الأمن والاستقرار. غير أن هذه الفاعلية لم تقابل باعتراف سياسي متكافئ، بل رافقتها محاولات مستمرة لإعادة الهيكلة والدمج ضمن منظومات لا تعكس خصوصية الجنوب أو مشروعه السياسي، وهو ما فهم في أوساط واسعة كمسعى لإضعاف هذه القوات وتقويض دورها كحامل أمني وسياسي لقضية شعب الجنوب. هذا التناقض بين الدور الميداني والتموضع السياسي أسس لحالة من الهشاشة البنيوية، جعلت من أي تصعيد ميداني اختباراً مباشراً لحدود تلك الشراكة.

في هذا السياق، تكتسب التطورات الأخيرة، بما في ذلك الاستهداف السعودي الجوي للقوات الجنوبية ومحاولات إعادة تشكيل موازين القوى على الأرض، دلالات تتجاوز بعدها العسكري المباشر. فهي تعكس انتقال العلاقة من مرحلة إدارة التباين إلى مرحلة إعادة تعريف العلاقة، حيث لم يعد ممكناً الإبقاء على الصيغ السابقة دون مراجعة عميقة لأسس الشراكة وحدودها، وبما يضمن عدم استخدام أدوات القوة لإعادة فرض معادلات تنتقص من الإرادة السياسية لشعب الجنوب.

إقليمياً، لا يمكن فصل هذه التحولات عن إعادة ترتيب الأولويات في الملف اليمني، في ظل متغيرات أوسع تشهدها المنطقة. فمقاربة التحالف العربي ظلت محكومة باعتبارات الأمن القومي والمصالح السعودية، وهو ما جعل من علاقاته مع مختلف الأطراف علاقات غير واضحة وملتبسة، تخضع لإعادة التقييم وفقاً لتبدل التهديدات والمصالح. حيث أثبت المجلس الانتقالي الجنوبي أنه حليف صادق وفاعل في الميدان، لكنه لم يعامل كشريك سياسي مكافئ رغم موقفه الثابت والملتزم تجاه التحالف وتمثيله الواسع وحضوره الشعبي والسياسي في الجنوب.
إن قراءة هذه المسارات تقود إلى استنتاج مفاده أن ما جرى مؤخراً لا يمثل انحرافاً طارئاً في مسار الشراكة، بل يكشف حدودها الحقيقية. فالشراكات التي لا تقوم على وضوح في الأهداف وتكافؤ في الاعتراف تظل عرضة للاهتزاز، بل والانكشاف، عند أول تعارض جدي في المصالح، وهو ما يفسر حالة التوتر وعدم الثقة التي برزت في المرحلة الأخيرة.

وعليه، فإن المرحلة الراهنة تفرض على المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي إجراء مقاربة أكثر وضوحاً في إعادة تعريف علاقاته، سواء مع الشرعية اليمنية أو مع الأطراف الإقليمية. فإما أن تعاد صياغة هذه العلاقة على أسس جديدة تضمن الندية والاعتراف السياسي بقضية شعب الجنوب وحقه في تقرير مستقبله، أو أن يتجه نحو بناء شبكة تحالفات أكثر اتساقاً مع مشروعه الوطني، والحفاظ على توازن دقيق في إدارة علاقاته الإقليمية بما يخدم هذا الهدف.

في المحصلة، لم تكن هذه العلاقة شراكة استراتيجية مكتملة الأركان، بل إطاراً مرحلياً لإدارة تقاطع المصالح. وما تشهده اليوم من توترات ليس سوى تعبير عن انتقالها من مرحلة الغموض إلى مرحلة المكاشفة، بما يفتح الباب أمام إعادة التأسيس على أسس أكثر صلابة وعدالة، أو الانزلاق نحو مسارات أكثر تعقيداً.

عبدالكريم أحمد سعيد