آخر تحديث :الأربعاء - 15 أبريل 2026 - 01:09 ص

كتابات واقلام


مؤامرة "إحياء الرميم": كيف تحاول الرياض بعث جثث سياسية لاغتيال حلم الجنوب

الأربعاء - 15 أبريل 2026 - الساعة 12:16 ص

حافظ الشجيفي
بقلم: حافظ الشجيفي - ارشيف الكاتب


بين ردهات التاريخ وممرات الضمير الإنساني، تقف الحقيقة عارية أمام عواصف الزيف، تماما كما تقف الصخور العاتية في وجه الموج الهادر، لا تنحني ولا تلين، فالبؤس ليس في فقدان الخبز بل في فقدان الكرامة والولاء للقضايا التي تعمدت بالدم وسقيت بدموع الأرواح التواقة للحرية، وحينما ننظر اليوم إلى ما يجري في أروقة السياسة المدلهم التي تحاول العبث بمصير شعب بأكمله، نجد أنفسنا أمام مشهد مأساوي يذكرنا بسقوط الأقنعة عن وجوه لم تكن يوما تدرك معنى القداسة في الانتماء، ففي مطلع شهر يناير الماضي، شهدنا فصلا من فصول المهازل السياسية التي لا يقبلها عقل ولا يستوعبها منطق وطني سليم، حيث أرسل القائد عيدروس الزبيدي وفدا يمثل المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الرياض، لا لبيع الوهم أو التنازل عن الثوابت، بل لتمثيل القضية الجنوبية في حوار دعت إليه المملكة العربية السعودية، فإذا بهذا الوفد، وبمجرد ملامسة أقدامه ثرى العاصمة السعودية، يجترح خطيئة كبرى ويقترف خيانة وطنية للأمانة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الحركات التحررية، معلنا بيان حل المجلس الانتقالي الجنوبي دون أدنى مبرر سياسي أو وطني وجيه، وهكذا وبكل برود أعصاب، انقلب هؤلاء على الكيان الذي منحهم شرف التمثيل، وضربوا عرض الحائط بكل القيم الأخلاقية وبقدسية الانتماء للكيان المفوض من جماهير الشعب، مفرطين في حرمة دماء الشهداء التي ما تزال تروي تراب الجنوب بحثا عن الاستقلال والسيادة.

ف​هؤلاء الذين ذهبوا كرسل قضية عادلة، تحولوا في لحظة غدر إلى معاول هدم، متناسين أن بعضهم كان يقود مكونات شتى في إطار الحراك الثوري الجنوبي، قبل أن يأتوا صاغرين أو مقتنعين، لا فرق الآن، ليعلنوا في لقاء تشاوري جنوبي موسع بالعاصمة عدن عام ألفين وثلاثة وعشرين اندماجهم الكامل والنهائي في بوتقة المجلس الانتقالي، ذلك اللقاء الذي استمر خمسة أيام كاملة، وانبثق عنه ميثاق وطني غليظ، تعاهد فيه الجميع أمام الكاميرات وأمام التاريخ على وحدة الصف والكلمة تحت قيادة موحدة، وكنت أنا شاهدا حيا بصفتي عضوا في اللجنة التي صاغت ذلك الميثاق، ووقعت معهم على وثيقة لا تقبل التأويل، فكيف يجرؤ وافد أو ضيف منضم على إعلان حل بيت استضافه وأعطاه شرعية الوجود، في مفارقة عجيبة تتجاوز حتى منطق الجمعيات الخيرية أو الأحزاب الناشئة، فالمجلس الانتقالي لم يتأسس بقرار إداري يمكن إلغاؤه بجرة قلم في فندق، بل قام على تفويض شعبي عارم لا يملك حتى رئيسه نفسه حق نقضه دون العودة إلى صاحب السيادة الحقيقي وهو الشعب، غير أن المشكلة الحقيقية تتجاوز فعل الخيانة الفردي لتصل إلى عمق المخطط الذي ترعاه الرياض اليوم، سعيا لبعث تلك المكونات الميتة من مرقدها بعد أن ذابت طوعا واختفت قانونيا وتنظيميا، في محاولة بائسة لتفكيك اللحمة الجنوبية وإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل اللقاء التشاوري، ظنا من القوى الإقليمية أن المال السياسي والضغوط يمكن أن تخلق واقعا جديدا يشرعن لحوارا جنوبي مشبوه يرفضه الشعب جملة وتفصيلا، لانه يهدف في جوهره إلى الالتفاف على أهداف الاستقلال والسيادة الوطنية، ليعيدونا إلى دوامة التبعية وتمزيق الإرادة.

ان محاولة إحياء الرميم من داخل الأراضي السعودية، واستخدام هؤلاء القادة الذين فقدوا رصيدهم الأخلاقي، هو قمة الغباء السياسي، فكيف للجماهير التي فوضت المجلس الانتقالي أن تقبل بمكونات كرتونية يتم تصديرها من الخارج للداخل بصناعة استخباراتية واضحة، وكيف يمكن للشعب أن يثق في حوار أطرافه هم من خانوا العهد مرتين، مرة حين أعلنوا حل مكوناتهم باعلان اندماجها،مع المجلس الانتقالي ومرة حين أعلنوا حل المجلس الانتقالي الذي يحمل آمال الملايين، فحل المجلس الانتقالي في مخيلتهم المريضة يعني آليا بقاءهم بلا غطاء، لأنهم حين انضموا إليه فقدوا كياناتهم السابقة تماما، ومن يطعن إرادة الشعب بخنجر الغدر لا يمكن أن يكون يوما جسرا للعبور نحو الحرية، فالرياض بممارساتها هذه لا تزرع إلا الشك، وتحصد الخيبة في شارع جنوبي يدرك جيدا من يمثله ومن يبيعه في أسواق النخاسة السياسية، فالإرادة الوطنية ليست سلعة، ودماء الشهداء ليست حبرا للتوقيع على صفقات الاستسلام، وما تفعله السعودية اليوم هو محاولة يائسة لبعث الحياة في جثث سياسية هامدة، متوهمة أن الشعب سيقبل بهذا المسرح الهزلي الذي يقوده مرتزقة وعملاء في نظر المنطق الوطني الصرف، فنحن اذن أمام لحظة تاريخية فاصلة تكشف أن المؤامرة أكبر من مجرد بيان، بل هي محاولة لاغتيال وطن من الداخل بأيدي من ادعوا يوما حمايته، لكن التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى من طعنها في ظهرها وهي تصلي في محراب الحرية، ويبقى المجلس الانتقالي عصيا على الحل لأنه فكرة مغروسة في وجدان الشعب، لا تزيلها بيانات من فنادق الرياض ولا تمحوها أموال البؤس والتبعية التي تتدفق لشراء ذمم رخيصة باعت نفسها للشيطان وتركت شعبها يواجه قدره بكل شموخ وإباء في وجه المؤامرات المتلاحقة التي لن تزيدنا إلا تمسكا بحقنا المطلق في الوجود والسيادة فوق أرضنا الطاهرة التي لا تقبل القسمة على اثنين ولا تقبل الخضوع لأجندات خارجية مشبوهة تحاول النيل من مكتسباتنا الوطنية العظيمة التي تحققت بتضحيات جسام لا تقدر بثمن ولا توزن بميزان المصالح الضيقة والآنية التي يسعى إليها هؤلاء ومن يقف خلفهم ويدعمهم بالمال والكلمة الزائفة في محاولة يائسة لتغيير مجرى التاريخ وهدم بنيان شيده المخلصون من أبناء هذا الوطن الجريح الذي سيبقى قويا صامدا في وجه كل الرياح العاتية مهما بلغت قوتها وشدتها ومهما تعددت وسائل المكر والخداع التي تمارس ضده وضد تطلعاته المشروعة والعادلة في الحرية والكرامة والعيش الكريم فوق ترابه الوطني المستقل والمنزه عن كل شائبة تشوب صفاءه ونقاءه الثوري المستمد من إرادة صلبة لا تلين ولا تستكين أمام كل التحديات والمنعطفات الخطيرة التي تمر بها القضية الجنوبية في هذه المرحلة الحساسة والدقيقة من تاريخنا المعاصر الذي يسجل بأحرف من نور مواقف الشرفاء وبأحرف من خزي وعار مواقف المتخاذلين والمنبطحين على أعتاب القصور والباحثين عن فتات الموائد المسمومة التي تقدم لهم مقابل بيع أوطانهم وضمائرهم وأماناتهم التي حملوها يوما ما فكانوا أهلا للغدر والخيانة والارتهان للخارج الذي لا يريد للجنوب خيرا ولا يسعى إلا لتحقيق مصالحه الخاصة على حساب حقوقنا وثوابتنا الوطنية الراسخة في أعماق الأرض وفي وجدان كل مواطن حر شريف يرفض الذل والهوان ويأبى إلا أن يكون سيدا في وطنه وقراره السيادي المستقل.