آخر تحديث :السبت - 18 أبريل 2026 - 06:13 م

كتابات واقلام


بلا عنوان

السبت - 18 أبريل 2026 - الساعة 04:41 م

عادل صادق الشبحي
بقلم: عادل صادق الشبحي - ارشيف الكاتب


​مؤسف أن يتحول الوطن في عيون أبنائه من ملاذ آمن ومسكن مريح إلى فخ ، ومن أرض إلى محطة انتظار كبرى يبحث الجميع فيها عن أول رحلة للمغادرة .
عار أن نصل إلى زمن يصبح فيه حلم المواطن الأسمى والشريف هو مغادرة تراب يفترض أنه يعيش فيه وله ، لكننا في الحقيقة نعيش في بلد ميت سريريا يتنفس بصناعة الدعاية الفجة ويعتاش على حقن المسكنات والوعود التي لا تنتهي .

المأساة الحقيقية في بلادنا ليست في سوء الأحوال ، بل في تلك القدرة المرعبة التي امتلكها هذا الشعب على التكيف مع القهر ، الفقر ، الذل والتعايش مع الفوضى كأنها قدر محتوم ، بل والتمادي في حماية الفساد وتبريره والتطبيل له بدلا من اقتلاعه وتجريم أصحابه .
يغرق الناس في منظومة مقلوبة المعايير ، لا يصعد فيها إلا الفاسد الذي أتقن فن الانحناء ، والمتسلق الذي باع كرامته ، والعميل الذي يقبض ثمن وطنه ، بينما يحاط القاتل بسياج من الحصانة والتبجيل .
​في هذا المكان الذي لا تربطه بالتطور أو الازدهار أي صلة قرابة ، صار الصبر نصيب الضعفاء الذين لا يملكون حيلة ، بينما الثراء الفاحش هو رزق يساق للبلاطجة والأقوياء وأصحاب النفوذ.
نحن في بلد يقدم فيه البسطاء أرواحهم وقودا لحماية مكتسبات النخبة ، وتمتلئ كروش الصغار بالهواء بينما تمتلئ خزائن الكبار بالثروات المنهوبة.
العجيب أن هؤلاء الناس لا يطلبون المستحيل ، ولا يحلمون بمعجزات سماوية أو قصور من ذهب ، بل جل أمانيهم هي وطن ، مجرد بقعة أرض يأمنون فيها على حياتهم ، ويرون أطفالهم يكبرون أمام أعينهم بلا خوف من رصاصة غادرة أو جوع كافر ، إنهم يطلبون مكانا لا يكون الرحيل عنه هو منتهى الطموح ، ولا يكون البقاء فيه عقوبة أبدية يدفعون ثمنها من أعصابهم وأعمارهم.
​وسط هذا الركام نجد أنفسنا محاصرين بين ثري مستبد يرى الناس عبيدا في ضيعته ، وثري مستجد سلب المال العام بالأمس ويحاضر في النزاهة اليوم ، وقاتل ممول يتنقل بحرية ، ومسؤول متسلق لا يرى أبعد من مصلحته ، وسياسي عميل يرهن قرار البلد للخارج ، وفوق كل هؤلاء جيوش من المطبلين المقسمين بعناية إلى فرق وجماعات ، وظيفتهم الوحيدة تلميع القبح وشرعنة البلطجة ، والرقص على جراح الناس وطلب التصفيق من الضحايا بينما الشعب تم ويتم نهبه ويقتلون ويجوعون .
إنها كوميديا سوداء حيث يطلب منك أن تضحك بملء فمك وأنت تعاني ، وأن تحيي المسؤولين الذي سرقوا ويسرقون لقمة طفلك ثم يبيعوك وهما جميلا في نشرات الأخبار .
#عادل_الشبحي