آخر تحديث :السبت - 09 مايو 2026 - 11:32 م

كتابات واقلام


لسنا فقراء فقط… بل ضحايا سوء إدارة للحياة والموارد

السبت - 09 مايو 2026 - الساعة 10:54 م

شهد سامي الحشيبري
بقلم: شهد سامي الحشيبري - ارشيف الكاتب



في كل مرة يُذكر فيها الوضع المعيشي، يُقال ببساطة: “نحن نعاني من الفقر”.
جملة تختصر الكثير، لكنها—في كثير من الأحيان—تُخفي وراءها حقيقة أكبر، وأكثر تعقيدًا.
نعم، هناك فقر…
لكن هل الفقر وحده هو المشكلة؟
أم أن ما نعيشه اليوم هو نتيجة تراكمات من سوء إدارة الحياة، وسوء توزيع الموارد، وغياب التخطيط الذي يحوّل الأزمات الصغيرة إلى كوارث يومية؟
في بلدٍ يمتلك طاقات بشرية هائلة، وموارد كان يمكن أن تُستثمر بشكل أفضل، يصبح السؤال مشروعًا:
كيف وصلنا إلى هنا؟
ليست المشكلة فقط في قلة المال، بل في كيفية التعامل معه.
في غياب ثقافة التخطيط، في الإنفاق غير المدروس، في الاعتماد على الحلول المؤقتة بدل بناء استقرار طويل الأمد.
وفي المقابل، على مستوى أكبر، في إدارة عامة لا تُحسن توجيه الإمكانيات، ولا تضع أولويات واضحة تُنقذ ما يمكن إنقاذه.
المواطن البسيط يعيش بين نارين:
دخل محدود—إن وُجد—ومتطلبات لا ترحم.
لكن ما يزيد الوضع تعقيدًا، أن جزءًا من هذه المعاناة يمكن التخفيف منه لو وُجد وعي أكبر بإدارة الحياة اليومية، ولو وُجد دعم حقيقي يُرشد الناس لا يتركهم يواجهون مصيرهم وحدهم.
في كثير من البيوت، لا توجد ميزانية واضحة، ولا خطة للمصروف، ولا حتى رؤية لكيفية التعامل مع الأزمات.
ومع كل طارئ، تتضاعف الضغوط، وتبدأ الديون، وتدخل الأسرة في دائرة لا تنتهي من الاحتياج.
لكن، هل يقع اللوم على الأفراد فقط؟
بالطبع لا.
فسوء إدارة الحياة على المستوى الفردي، هو انعكاس مباشر لسوء إدارة أكبر على مستوى المؤسسات.
حين تغيب البرامج التوعوية، وتُهمل التنمية، ولا تُخلق فرص حقيقية للاستقرار الاقتصادي، يصبح من الصعب أن نطالب الفرد بأن يكون مثالًا في الإدارة، بينما البيئة من حوله لا تساعده.
المشكلة إذًا ليست فقرًا فقط…
بل منظومة تحتاج إلى إعادة نظر.
نحتاج إلى تغيير طريقة التفكير قبل أي شيء.
أن ننتقل من ردّ الفعل إلى التخطيط، من الاستهلاك العشوائي إلى الوعي، من انتظار الحلول إلى المشاركة في صنعها.
كما نحتاج—وبشكل عاجل—إلى إدارة مسؤولة تضع الإنسان في مقدمة أولوياتها،
تدعم التعليم المالي،
تشجّع المشاريع الصغيرة،
وتوفّر بيئة تساعد الناس على النهوض بدل أن تُغرقهم أكثر في التعثر.
المجتمعات لا تنهض بالموارد فقط،
بل بكيفية إدارتها.
وما نعيشه اليوم يجب أن يكون جرس إنذار، لا حالة اعتيادية.
لأن الاستمرار في نفس النهج لن يُنتج إلا مزيدًا من الأزمات، ومزيدًا من الضغوط التي يتحمّلها المواطن وحده.
ورغم كل ذلك، لا يزال الأمل قائمًا.
فكل بيتٍ يحاول أن ينظّم حياته رغم الظروف،
كل شابٍ يفكّر في مشروع بدل انتظار وظيفة،
كل أسرةٍ تحاول أن تخرج من دائرة العشوائية…
هي خطوة نحو التغيير.
في النهاية،
نحن لا نعاني من الفقر وحده…
بل من طريقة إدارة تُضاعف هذا الفقر، وتجعله أكثر قسوة.
وإن لم نُعد النظر في أسلوب حياتنا، وفي طريقة إدارة مواردنا—كأفراد ومؤسسات—
فإن المشكلة لن تنتهي… بل ستكبر معنا، يومًا بعد يوم.