آخر تحديث :الثلاثاء - 12 مايو 2026 - 02:38 م

كتابات واقلام


التفكيرُ خارج الصندوق : الزبيدي ثائراً وقائداً وطنياً وفيلسوفاً

الثلاثاء - 12 مايو 2026 - الساعة 02:08 م

منصور الصبيحي
بقلم: منصور الصبيحي - ارشيف الكاتب


استأثرت السعودية أخيرًا بالمشهد الجنوبي كاملًا وعمدت إلى تفصيله حسب هواها وأجنداتها، ومن باب حرصها على متابعة حرب احد عشر سنة وإسقاط مخرجاتها على الواقع اليمني عامة، وفي وسط ذلك يقف الخطاب الجنوبي عاجزًا عن مواكبة المتغيرات وتحدياتها، لا يمتلك الرؤية والجُرأة الكافية لتعديل سياسته إنطلاقًا من المبدأ (لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة)، وبما يحد نصله الثلم يطعن فيخرج يلمع من ظهر الليل الجاثم المستبد، ومازال مأسورًا بالعقد وبالمنهجية التقليدية التي اعتاد ممارستها لسنين وأعوام حيال ما يعتبره وحدة الضم والإلحاق، وبأشكال من الممانعة والتصادم المستمر، وما أنفك عنها يجسدها اليوم بنفس الأسلوب تجاه طرف تاثيره على الأرض بات مشلولًا لا يستطيع النهوض واستدراك ذاته.

دلت التجارب بأن الشعوب التي يمسي حاضرها رهينًا لماضيها ويطغى عليها الحقد والكراهية تعمى بصيرتها، فتصبح تتصرف وتدفع بلا شعور نحو أهداف خارج أهدافها محاصر تفكيرها بما كان وليس بما يكون، وهي على ذلك الحال تسير إلى أن تتعثر وتجثو على ركبتيها مستسلمة لقدرها المحتوم.

فجميع الدلائل أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك، بأن اللهث وراء استعادة الدولة الجنوبية عسكريًا وبمقتضى الأمر الواقع، استنادا إلى اختطاف السيادة اليمنية من قبل عاصفة الحزم السعودية مارس ٢٠١٥م وما تلاها ويتلوها، هو لا أكثر ولا أقل من عبثي ومضيعة للوقت، ولا سبيل إليها إلّا برفع كرت أحمر في وجه التحالف السعودي نفسه ومغادرته مشهد الصراع بالكليّة، وهذا كشرط رئيسي لن يؤتى سوى بالإراة لكسر الجمود والانطلاق لتخليص العاصمة صنعاء من قبضة الحوثيين، هكذا فهمها الزبيدي وفكر خارج الصندوق، ليتأهب لتحرير محافظة البيضاء بالتنسيق مع قوات ما سمي بحراس الجمهورية التي يقودها طارق صالح، وعلى طريق استكمال بقية المحافظات واستنهاض مختلف قوى العمل الوطني الحية التي ضاقت بالحوثيين ذرعا وتعارض نهج السعودية وسعيها للمصالحة معهم، فتضع اليمن بكذا على أعتاب مرحلة جديدة من التحول في الحكم القائم قبل العاصفة وإلى المحاصصة الحزبية الأثورقراطية المتأثرة بالإثنيات وبالعرقيات المذهبية العابرة للحدود. وكأي معركة تستدعي من قائدها قبل الإنطلاق تأمين الجبهة خلفه، كان لزامًا على الرجل إغلاق ما بقي من المساحات المفتوحة في حضرموت اتقاءا لشر الخديعة.

تدرك السعودية مخاطر ما يمثّله نشوء تلاحم عابر من الجنوب إلى الشمال على استراتيجيتها المسبوغة بروح الطهر والمسنودة ببركات التأييد الإلاهي وشرعية الفنادق!. وهكذا وقبل أن يصبح ما ادخرته عن طريق نظرية اللا حرب وللا سلام, يجرفه من أمام أعينها مد سونامي بلحظة بصر واحدة، جازت لنفسها وأد الانتقالي عن طريق تفجير في وجهه عاصفة حزم جديدة، بذريعة حماية أمنها القومي، الذي كما يبدو تتخيل مفتاحه نحو الشرق (روسيا والصين) هم الحوثيين.

فما من مشروع تحرري هيمن عليه الخارج إلا وتحوّل إلى مفسدة وصدامات جانبية مع المشروع الوطني لذات البلد، والأدهى والأمر منه، عندما يكون المقيم نظام ديكتاتوري ومتنفّذ لا يعترف بحقوق الشعوب ولا يضع وزنا للإنسانية، إلا من زاوية ضيقة يرى من خلالها نفسه هو الكل في الكل وصاحب الفصل أولًا وآخرًا..

الفرصة الغبية كما يقال دائمًا تنتج عن قصر فهم وسوء تقدير موقف، وهذا بالفعل ما بات ينطبق تمامًا على الجنوبين، وذلك بما عاشوه طيلة السنوات الماضية من عمر السيادة على الأرض عسكريًا دونه سياسيا، وهو ما سوى مجرد خُدع بصرية لا غير، مما استدعي بالفعل تقييم الموقف وتوليد أفكار جديدة تساعد على تجاوز المرحلة وإبقاء الهدف محافظ على ديمومته للأجيال اللاحقة.

ببساطة على سبيل المثال: طرفين دخلا في شراكة الضرورة وبسبب عدم الانسجام سرعان ما تحوّلت بينية بين الجانبين، أحداهما طغى وبسط يده على الآخر دون اكتراث للعواقب، دارت الأيام ليأتي الدور عليه هو، ومن طرف ثالث ظل يترصده حتى تمكن وأخذ الجمل بما حمل أي حقه وحق شريكه، وبما أن الأمر اصبح بيد طرف آخر ظهر كما لو كان يتمتع ببعض اللين واللطف بما انعش الأمل عند ذات المظلوم ليسعى يتقرب إليه بصنيعة معروف لعله يتفهّم حاله وينصفه، سوى أن هذا وللأسف تجبّر ولم يعبره بل وبدأ اكثر طغيانا من سلفه... وفي ظل ما قوبل ماضيًا من جحود ونكران زاده الحاضر بعدًا آخر من التهميش إلى التلاعب إلى التمييع لقضيته، فما الذي بإمكانه فعله هل عليه يبقى يسعى منفردًا وراء حق يراه من أمام عينيه وسط الزحمة يضيع ويتلاشى، أم الأولى يتصرف بمقتضى الأمر الواقع، وفي سبيل المصلحة العامة للجانبين عليه أن يتسامى فوق الجراح، موحدًا جهوده مع شريك وخصم تجاه دخيل صار يمثل خصمهما الأثنين، وحتى يتم انتزاع الحق كاملًا عندها يكون لكل حدث حديث؟.