آخر تحديث :الأحد - 24 مايو 2026 - 09:48 م

كتابات واقلام


أزمة الفكر والقيادة لعنة تطارد الجنوبيين من 1967.

الأحد - 24 مايو 2026 - الساعة 08:54 م

د.فضل الربيعي
بقلم: د.فضل الربيعي - ارشيف الكاتب


​التاريخ الإنساني يؤكد أن الدول والمشاريع الوطنية لم تنجح، إلا وكانت مستندة إلى أرضية فكرية صلبة ورؤية فلسفية واضحة صاغها المفكرون، وتحولها إلى برامج عمل ومؤسسات وتنظيمات اجتماعية تقود المجتمع نحو الاستقرار والتنمية.
​حين يغيب الفكر الناضج والجامع، تقع المجتمعات في فخ العشوائية، وهنا تبرز ملامح الأزمة، والتي يمكن تفكيكها في نقاط محددة:

​1. الفراغ الفكري وإنتاج القيادات النخبوية
​عندما يعيش المجتمع أزمة فكرية، فإن البيئة العامة تصبح عاجزة عن إنتاج "رجل الدولة" أو القيادي المؤسسي. بدلاً من ذلك، يتصدر المشهد إما فكر شعبوي عاطفي يخاطب الغرائز دون حلول حقيقية، أو تطفو على السطح كيانات نفعية تفتقر للرؤية الاستراتيجية.
القيادة الناجحة ليست مجرد "كاريزما" أو سلطة، بل هي تجسيد لمشروع فكري وإداري وتنموي.
​2. غياب التنظيمات والمؤسسات واحتكامها للشخصنة. أن ​الأفكار الناتجة عن عقول ناضجة هي التي تبني "المؤسسة" و"النظام"، وحين يغيب الفكر، يتحول التنظيم الاجتماعي أو السياسي من إطار مؤسسي تحكمه معايير الكفاءة والتخصص، إلى إطار "مشخصن" يدور حول أفراد، هذا الغياب للمأسسة هو ما يجعل الحلول مؤقتة والقرارات عشوائية، ويعمق مظاهر المحسوبية والارتجال.
​3. العجز عن تحليل الظواهر ومعالجة الأزمات
​الفكر الحيوي هو أداة المجتمع لتفكيك مشاكله (الاجتماعية، الاقتصادية، الإدارية). وعندما يصاب الفكر بالركود، يفقد المجتمع قدرته على "التشخيص العلمي" لمشاكله، ومن ثم تصبح الحلول المطروحة بمثابة "مسكنات مؤقتة" لا تعالج جذور الأزمات، بل ربما تنتج أزمات جديدة.

إن الانتقال من حالة "السيولة والأزمات" إلى حالة "الدولة والمؤسسة" يتطلب بالضرورة ردم هذه الفجوة الفكرية. إذ لا يمكن بناء واقع جديد بنفس العقليات الفكرية والادوات التي كانت سبباً في خلق الازمات الحالية.

المجتمع بحاجة ماسة إلى استعادة دور النخب الفكرية الحقيقية، التي تقدم قراءات صادقة وموضوعية للواقع، لتسترشد بها القيادات في إدارة وبناء المؤسسات الكفيلة بتحقيق الاستقرار.
​فبقدر ما يتراجع دور الفكر المؤسسي والتحليل والتقييم العلمي، بقدر ما تزداد أزمة القيادة والإدارة عمقاً.