آخر تحديث :الخميس - 03 سبتمبر 2026 - 05:36 م

كتابات واقلام


عدن... مدينة فولاذية

الخميس - 03 سبتمبر 2026 - الساعة 04:56 م

عامر علي سلام
بقلم: عامر علي سلام - ارشيف الكاتب


في زمنٍ تتسارع فيه التكنولوجيا العسكرية وعودة التسابق العالمي في تجارة الأسلحة ونوعيتها الحديثة.. وتتغير فيه موازين القوة والتسلح ، لم تعد الصواريخ فرط الصوتية مجرد أسلحة تتجاوز سرعة الصوت بأضعاف بقدر ما أصبحت عنوانًا لمرحلة جديدة من الصراع على الإرادة والسيادة والقرار وفرض الهيمنة

لكن خلف الحديد والسرعة والمدى وخلف فرض الهيمنة والسيادة ، تبقى حقيقة واحدة أكثر أهمية حين يصبح الوطن هو البوصلة وتتحول القوة من مجرد قدرة عسكرية إلى إرادة للدفاع عن الأرض والسيادة وحق تقرير المصير ...
والحديث عن القوة لا ينبغي أن يُختزل في عدد الصواريخ أو دقة المنظومات الهجومية أو الدفاعية فالأوطان لا تُقاس فقط بما تمتلكه من سلاح وقوة وإنما بما تمتلكه من إرادة وبقدرتها على حماية مصالحها وصون كرامتها..وبمدى تماسك مجتمعها أمام الضغوط والتحولات التي تعصف بها وتجرها إلى حروب مستمرة ...
وفي قلب هذه المعادلة تقف عدن المدينة التي عرفت البحر والتجارة والصراعات والحروب والتحولات السياسيةوالازمات التي يتعرض لها أهلها وساكنيها ... وظلت رغم كل العواصف محتفظة بملامحها وذاكرتها وروحها...

عدن ليست مدينة عابرة في الجغرافيا ولا محصورة في حقب تاريخية رغم موقعها الاستراتيجي العالمي كونه يطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم... ومدينة صنعت من موقعها وتاريخها شخصية استثنائية ولهذا ظلت مطمعًا للقوى الكبرى ومحطة تتقاطع عندها المصالح الإقليمية والدولية...

ومن هنا تأتي عبارة «عدن... مدينة فولاذية»؛ ليس لأن الفولاذ يحيط بشوارعها أو موانئها وكتب فصول من تاريخا ولازال رغم الأزمات والتهديدات الا انها المدينة التي أثبتت عبر تاريخها أن قدرتها على الصمود أكبر من كل محاولات كسر إرادتها أو إذلال أبنائها واهلها ...
فالفولاذ الحقيقي ليس في السلاح وحده بل في الإنسان الذي يتمسك بأرضه وفي المواطن الذي يرفض أن يتحول وطنه إلى ورقة في صفقات الآخرين وفي الأجيال التي تعرف أن السيادة ليست شعارًا يُرفع وإنما مسؤولية تُصان.
لقد دخل العالم عصرًا جديدًا من سباق التكنولوجيا العسكرية وأصبحت الصواريخ فرط الصوتية جزءًا من معادلات الردع الحديثة..غير أن التطور العسكري، مهما بلغ، لا يصنع وطنًا بمفرده... فالوطن يحتاج إلى اقتصاد قوي ومؤسسات مستقرة، وعدالة، وخدمات، وتعليم، وإعلام مسؤول، وإرادة سياسية تعرف أين تقف وماذا تريد ؟!!!

وهنا تكمن المفارقة
فقد تستطيع الصواريخ اختراق الحواجز بسرعة هائلة لكن بناء وطن قوي يحتاج إلى سنوات من العمل والإرادة هو البوصلة التي تمنع القوة من التحول إلى عبث وتحول التكنولوجيا إلى وسيلة لحماية الإنسان لا إلى غاية في ذاتها....

وفي عدن حيث يلتقي البحر بالجبل وحيث تختزن الأزقة القديمة ذاكرة أجيال متعاقبة، تبدو المدينة وكأنها تختصر قصة وطن كامل ... وطنٍ عانى كثيرًا لكنه لم يفقد قدرته على النهوض....

إن «عدن الفولاذية» ليست دعوة إلى الحرب بل دعوة إلى القوة الواعية ..قوة تحمي الأرض، وتحفظ الإنسان، وتصون القرار، وتبني المستقبل....

ففي النهاية ليست سرعة الصاروخ هي التي تحدد مستقبل الأوطان ولا حجم الترسانة العسكرية وحده هو الذي يصنع التاريخ....التاريخ تصنعه إرادة الشعوب حين تعرف أن الوطن هو البوصلة... وأن لا قوة تعلو على قوة الانتماء للأرض والحق والكرامة....

ومن عدن ...المدينة التي تعلمت أن تصمد أمام العواصف، يبقى السؤال مفتوحًا أمامنا
هل نملك فقط أدوات القوة... أم نملك أيضًا الحكمة التي تجعل القوة في خدمة الوطن؟..
عدن...
مدينة البحر والميناء والتاريخ
مدينة عرفت النضال والكفاح المسلح ، ولم تنطفئ...عرفت الحصار ولم تنكسر....
وعرفت العواصف وبقيت واقفة....
عدن... مدينة فولاذية.. حين يكون الوطن هو البوصلة وتكون الإرادة الشعبية والوطنية هي محط أنظار الاخرين •••

عامر علي سلام فوز
عدن ..
الخميس ٣ سبتمبر ٢٠٢٦م ...