آخر تحديث :الأحد - 07 يونيو 2026 - 12:51 م

كتابات واقلام


حضرموت وطموح الحكم الذاتي

الأحد - 07 يونيو 2026 - الساعة 11:44 ص

رشدي علي بن هرهره
بقلم: رشدي علي بن هرهره - ارشيف الكاتب


منذ اندلاع الأزمة اليمنية عام 2015، عادت قضية الحكم الذاتي إلى الواجهة كخيار تتبناه نخب وشخصيات ومكونات سياسية حضرمية إرتقت إلى مصاف مشروع سياسي يبحث عن صيغة قانونية وسياسية تحفظ لحضرموت قرارها الإداري والمالي والأمني، مع التمسك بوحدة الموقف الوطني في إطار الدولة اليمنية.
لكن يبقى السؤال الجوهري : على أي ركيزة سيستند الحضارم لتحويل هذا الطموح إلى واقع؟
ثلاثة مسارات مطروحة على الطاولة ولكل طريق ثمنه وتبعاته :

المسار الاول :
إنتزاع الحكم الذاتي عبر النضال الشعبي
يقوم على بناء قوة داخلية صلبة .عندما تستكمل مقتضيات وأركان النجاح وحلقات التعبئة سياسياً ومجتمعيا ونقابيا وعسكرياً، تفرض سلطة حضرموت ومكوناتها السياسية أجندة الحكم الذاتي كشرط لايقبل المساومة في أي تسوية قادمة. أدواته: ضغط وحشد جماهيري منضبط حتى لايتحول "الشارع" إلى فوضى ،المؤتمرات الحضرمية الجامعة، خطاب اعلامي متمكن ، برلمانيون وسياسيون يحسنون صياغة الرواية الحضرمية والدفاع عنها في المحافل
ميزته : يمنح المشروع شرعية شعبية محلية، ويجعله ورقة تفاوضية يمسك الحضارم خيوطها بأيديهم لا بيد غيرهم
مخاطرة : قد يصطدم برفض القوى المركزية في الدولة اليمنية، وتوجس دول الإقليم إذا قُرئ كخطوة نحو الانفصال.

المسار الثاني :
الرهان على دعم خارجي لفرض أمر واقع
جوهره : يستند إلى لاعب إقليمي أو دولي قادر على رسم واقع إداري وأمني مستقل على الأرض يصعب التراجع عنه لاحقاً.
ميزته : قد يُسرّع إنجاز الملف وتقصير زمن الإنتظار في حال وجود توافق خارجي .
مخاطرة : يجعل القرار الحضرمي _رهينة_ لأجندات متقلبة لا تُضمن استمراريتها، وإغراق حضرموت في دوامة التجاذبات الإقليمية، وتنزع صفة الاستقلالية، ومنح الخصوم ذخيرة لإتهام المشروع بـ"التبعية"

المسار الثالث :
مسار التفاوض مع الحكومة المركزية :
فلسفته. الذهاب في حوار مباشر مع السلطة المركزية ضمن مسار الحل الشامل لإنتزاع القرار دستورياً وصلاحيات واسعة في إطار الدولة الاتحادية أو الفدرالية المعلنة .
ميزته :يُجنّب حضرموت ويلات الصدام والمواجهة ويؤسس لشرعية دستورية راسخة يصعب نقضها لاحقاً، ويحافظ على التواصل مع بقية المحافظات.
مخاطرة: بطء الإجراءات القانونية ، وإحتمال التمييع أوالتنصل من الإتفاقات في ظل دولة مركزية منهكة ضعيفة مشتتة ومتعددة مراكز القرار

لكن الواقع مرير يثقل كاهل حضرموت بجراح غائرة تعيق إنطلاق اي مسار، هشاشة أمنية وضعف الأداة العسكرية تُبدد الاستقرار، وانقسام نخبوي يُشرذم الصف، وغياب تمثيل موحد يحمل صوت الحضارم جميعاً بلا استثناء.


الحكم الذاتي حق مشروع، وغاية نبيلة، ما دامت غايته إدارة رشيدة للثروة، وصون كرامة المواطن وأمنه، وحماية حضرموت من أن تُحوّل إلى ساحة صراع بالوكالة تُملى فيها القرارات من الخارج. غير أن بلوغ هذه الغاية. لا يُصنع بالخطابة الرنانة، ولا يكتفي بإعلان المبادئ البراقة. إنه درب طويل، ومعترك سياسي وعِر المسالك، محفوف بالمخاطر والتحديات.

ومن السذاجة السياسية، بل من الوهم المُضلل، أن يُباع للناس حلمٌ يُجنى بسهولة، أو يُروّج لطريق مفروش بالورود. فالتاريخ لا يهب أوطانه للمتفرجين، بل يصنعها العاملون.