آخر تحديث :الخميس - 25 يونيو 2026 - 01:18 ص

كتابات واقلام


الجنوب... حين تصبح المصلحة سنداً للحق

الخميس - 25 يونيو 2026 - الساعة 12:45 ص

صالح علي الدويل باراس
بقلم: صالح علي الدويل باراس - ارشيف الكاتب


عزلة 23 عاماً بدأت بقطيعة وتصادم مع الجوار وانتهت بغدر صنعاء...فهل نعيد الخطأ؟


24 يونيه 2026م

*الشعوب لا تُقهر حين تتمسك بحقها في الأرض والسيادة والنصر يأتي لمن يُحسن الصبر ويُحسن اختيار الطريق*

*غير أن الصبر الحكيم يبدأ من التفريق بين العدو والجار وما يفرضه التجاور من توافق وتضاد فالخلط بينهما هو أول دروب ضياع القضايا*

*ترتفع أصوات تقول: "السعودية قتلت أبناءنا بالطيران" فتُشيطن ويُصنع منها خصماً. صحيح الدم مؤلم لكن القضايا الكبرى لا تُبنى على جرح مفتوح فالشعوب التي تريد دولة تتحر من أسر الماضي لتصنع ممرات المستقبل. والمملكة دخلت اليمن بتفويض دولي وحين كانت تضرب الحوثي أيدناها، وفي المقابل تُسجَّل مآسٍ أضعافها على يد الحوثي ومع ذلك لا يُنقَد من يطالب أن تُفتح نوافذ حوار معه! أليس الدم واحد؟ وبريطانيا التي قصفت وقتلت وأحرقت القرى وأقامت معسكرات اعتقال للعائلات صغاراً وكباراً رجالاً ونساء وتجد من يتمنى عودتها!*

*هذا التناقض لا يخدم القضية فالعدو لا يُقاس بشدة الذاكرة بل بحجم الخطر على الحاضر والمستقبل*

*العقلانية ليست تهمة خيانة وكل صوت ينادي بها يُواجه فوراً بوصف "مبنكس". وكأن المطلوب من الجنوبي أن يختار بين الصمت أو التعبوية مع أن للعقلانية ضرورتها وللتعبئة ضرورتها لكن ما يجري يذكرنا بتنميطات وأوصاف أوصلتنا لما وصلنا له وعندما تطغى العواطف على العقلانية تكون النتائج مكلفة ولنا في التاريخ القريب عبر ودروس.*

*الغضب الشعبي مفهوم في ظل الخوف على القضية وتدهور الخدمات والاقتصاد لكن تحويل هذا الغضب إلى صراع مفتوح مع الأطراف الإقليمية المؤثرة أو بين القوى الجنوبية لن يخدم القضية بل سيمنح الخصوم فرصاً إضافية لاستثمار الانقسام*

*والتاريخ شاهد فعزلة 23 عاماً بعد 1967 لم تأتِ من فراغ بل لأننا اخترنا التعبوية والتصادم مع الجيران وصنعنا من الشقيق عدواً .. فماذا كانت النتيجة؟ اتجهنا إلى الشقيق/العدو "صنعاء" فغدرت غدرها ومكرت مكرها حتى خرج شاعرنا يصرخ ألماً بقصيدته المعروفة وببيته الموجع:*

*"إن جت بريطانيا رحبنا بها*
*وإن جاء اليهودي مرحبا به مرتين"*

*"وصفقنا"!!!...أليس ذلك التصفيق موجع؟ ألم تقتل وتشرد وتقيم معسكرات اعتقال؟*

*التاريخ لا يعيد نفسه عبثاً، بل يعيده من لا يتعلمون منه*

*الجنوب لن يُحرر بمظاهرة رغم أهميتها فالقضايا الكبرى لا تُحسمها الخطب والمنصات بل في غرف السياسة والدبلوماسية. فالإرادة الشعبية بدون مسار سياسي دبلوماسي ستبقى تراوح مكانها والجنوب اليوم "قضية" ضمن إطار الوحدة وممسوك قانونياً وسياسياً بها وفك هذا الإطار يحتاج نشاط سياسي وعلاقات إقليمية ودولية طويلة النفس لا هتافات فقط*

*وهنا يبرز وزن الدور السعودي:*

*أولاً: التجاور الجغرافي يفرض حقائق لا تُتجاوز*

*ثانياً: ليس من مصلحة السعودية القبول بدولة عدائية على حدودها وما يجري اليوم من تفاوض وهدن مع الحوثي ليس استسلاماً بل إدارة مخاطر وخفض كلفة الحرب*

*ثالثاً: الرياض راعية اتفاق الرياض والحاضنة لمسار السلام ومرتبطة بقرارات مجلس الأمن، أي حراك دولي يمر عبرها وتجاوزها يعني تجاوز الشرعية الدولية*

*رابعاً: مادام الجنوب محكوماً بإطار الوحدة فمفتاح التعديل بيد من ترعاه وتدعمه مالياً وسياسياً. والسعودية اليوم ضامن الودائع وداعم الخدمات وشريك المواجهة مع الحوثي سلماً أو حرباً. ومعاداتها تعني بقاء القيد وتفاهمها يعني البدء بتفكيكه*

*خامساً: قواسم مصيرية أمنياً واقتصادياً وسياسياً، فالاعتراف الدولي يحتاج صوتاً في مجلس الأمن وهذا الصوت اليوم يبدأ من الرياض شئنا أم أبينا*

*وفي هذا السياق تحديداً يصبح الموقف واضحاً: احترام إرادة الجنوب يمر عبر شراكة مع الرياض لا تحدّيها ولا جعلها عدو. فالشراكة تفتح أبواب الدعم والتعديل السياسي أما التحدي فسيبقي الجنوب محصوراً في إطار الوحدة بلا أوراق ضغط فعالة*

*الخيار واضح... إن كانت الذاكرة حصيفة*