آخر تحديث :الخميس - 25 يونيو 2026 - 01:18 ص

كتابات واقلام


الميسري يعود إلى المشهد السياسي من بوابة الحوار

الخميس - 25 يونيو 2026 - الساعة 01:07 ص

عبدالله الشرفي
بقلم: عبدالله الشرفي - ارشيف الكاتب




قبل سبع سنوات، وعقب الأحداث التي شهدتها العاصمة المؤقتة عدن في أغسطس 2019، اضطر نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية السابق، المهندس/ أحمد بن أحمد الميسري، إلى مغادرة المدينة متجهاً إلى الرياض، بعد سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على عدن بدعم إماراتي، في واحدة من أكثر المحطات السياسية تعقيداً في
تاريخ الجنوب الحديث.

في تلك اللحظة، أطلق الميسري عبارته الشهيرة: "نحن ذاهبون لنعود"، وهي الجملة التي تحولت مع مرور الوقت إلى عنوان لمرحلة سياسية كاملة، ورسالة حملت بين طياتها الإصرار على الاستمرار في العمل السياسي رغم الهزيمة العسكرية والظروف التي فرضت عليه وعلى عدد من القيادات الجنوبية مغادرة الوطن.

ولم يكتفِ الميسري حينها بالإقرار بواقع الخروج القسري، بل وجّه رسالة ساخرة إلى خصومه السياسيين، شكرهم فيها على ما وصفه بـ"حسن أخلاقهم" في نهب المنازل والممتلكات الشخصية والعبث بمحتوياتها، في موقف عكس حجم الاحتقان السياسي الذي ساد تلك المرحلة.

اليوم، وبعد سنوات من الغياب، يعود الميسري إلى واجهة المشهد السياسي من العاصمة السعودية الرياض، ولكن هذه المرة من بوابة مختلفة، هي بوابة الحوار الجنوبي – الجنوبي الذي ترعاه المملكة العربية السعودية، في محاولة لطي صفحات الخلافات وبناء أرضية مشتركة بين مختلف المكونات الجنوبية.

ومنذ وصوله إلى الرياض بدعوة رسمية للمشاركة في المشاورات والحوارات الجارية، تحول مقر إقامته إلى محطة سياسية بارزة تستقبل وفوداً وشخصيات من مختلف الأطياف السياسية والحزبية والمكونات الاجتماعية الجنوبية القادمة من محافظات الجنوب والشرق اليمني. وشهدت لقاءاته نقاشات واسعة حول مستقبل القضية الجنوبية وآليات معالجة الانقسامات التي أضعفت الموقف الجنوبي خلال السنوات الماضية.

اللافت في هذه اللقاءات أن عدداً من قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي كانوا من أبرز الزائرين للميسري، رغم أن الصراع السياسي والعسكري الذي شهدته عدن عام 2019 كان سبباً مباشراً في خروج قيادات الشرعية والعديد من الشخصيات الجنوبية من المدينة. وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لدى مختلف الأطراف بأن المرحلة الحالية تتطلب تغليب الحوار على المواجهة، والتوافق على القواسم المشتركة بدلاً من تعميق الانقسامات.

ويرى كثير من المراقبين أن الميسري لا يزال يمثل رقماً سياسياً وشعبياً مؤثراً يصعب تجاوزه في أي معادلة جنوبية قادمة، بالنظر إلى حضوره السياسي وشبكة علاقاته الواسعة وقاعدته الشعبية التي حافظ عليها طوال سنوات الغياب.

إن عودة الميسري، ومعه عدد من القيادات الجنوبية التي غادرت عدن والمحافظات الجنوبية خلال السنوات الماضية، تمثل فرصة لإعادة تصحيح المسار السياسي وفتح صفحة جديدة عنوانها الشراكة والتوافق. فالقضية الجنوبية أكبر من أن يحتكرها طرف واحد، وأوسع من أن تمثلها رؤية سياسية واحدة أو لون سياسي واحد.

كما أن نجاح الحوار الجنوبي – الجنوبي يظل مرهوناً بمشاركة جميع القوى والمكونات دون إقصاء أو تهميش، وبإرساء مبدأ الشراكة الوطنية الحقيقية التي تضمن تمثيل مختلف التوجهات السياسية والاجتماعية. فالجنوب الذي يتطلع أبناؤه إلى مستقبل أكثر استقراراً لا يمكن أن يُدار بمنطق الغلبة أو الاحتكار، بل بمنطق التوافق الذي يحفظ استقلال القرار الوطني ويمنع ارتهانه لأي مشاريع أو أجندات خارجية، أياً كان مصدرها.

وبين عبارة الأمس: "نحن ذاهبون لنعود"، وواقع اليوم الذي يشهد عودة الميسري إلى دائرة الفعل السياسي، تبدو الرسالة الأهم أن السياسة لا تُقاس بلحظة انتصار أو هزيمة، بل بقدرة أصحابها على البقاء والتأثير والعودة إلى طاولة الحوار عندما تتهيأ الظروف لذلك.