لم تعد الهجمات الحوثية الأخيرة على مأرب والمخا وشبوة وحضرموت مجرد حوادث عسكرية متفرقة يمكن التعامل معها باعتبارها جولات محدودة من الاستنزاف. فحين تنتقل الصواريخ والمسيّرات من جبهة إلى أخرى، وتصل إلى المخا ومينائها، ومأرب، وأطراف شبوة، ومناطق في حضرموت، يصبح من الضروري النظر إلى المشهد كله باعتباره جزءاً من استراتيجية واحدة.
خلال الأيام الماضية، اتسعت رقعة التصعيد الحوثي بصورة لافتة. فقد تعرضت مواقع في مأرب وحضرموت لهجمات صاروخية، ثم جاء الهجوم الكبير على مدينة المخا ومينائها، حيث أعلنت القوات الحكومية مقتل أربعة عسكريين وثلاثة مدنيين وإصابة نحو ثلاثين شخصاً، إضافة إلى إسقاط 11 مسيّرة حوثية. وبعد ذلك امتد التصعيد إلى شبوة، في مؤشر على أن الحوثيين لا يختبرون جبهة واحدة، وإنما يحاولون اختبار منظومة الدفاع الحكومية على امتداد مساحة واسعة.
السؤال هنا ليس: لماذا قصف الحوثيون هذه المنطقة أو تلك؟
السؤال الأهم هو: إلى أين يريد الحوثيون أن يصلوا في نهاية المطاف؟
من استعادة الشمال إلى فرض معادلة على اليمن والجنوب كله:
الخطأ الذي قد يقع فيه بعض المراقبين هو افتراض أن الهدف الحوثي النهائي يقتصر على الاحتفاظ بصنعاء والمحافظات التي يسيطرون عليها في شمال اليمن.
الحوثيون، في تقديري، ينظرون إلى صنعاء باعتبارها مركز السلطة، لكنهم ينظرون إلى بقية اليمن باعتبارها المجال الذي يجب إخضاعه سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، حتى لو لم يكن احتلال كل محافظة بصورة مباشرة ضرورياً.
ومن هنا يمكن فهم الضغط على مأرب، ومحاولة تهديد الطرق والمنشآت والموانئ والمطارات والمواقع العسكرية في المناطق الواقعة خارج سيطرتهم.
الغاية ليست بالضرورة أن يدخل الحوثي اليوم إلى مأرب أو المخا أو سيئون بدباباته. يكفيه أحياناً أن يجعل خصومه يشعرون بأنهم عاجزون عن حماية هذه المناطق.
وهذه نقطة جوهرية.
السيطرة لا تعني دائماً رفع العلم فوق المبنى الحكومي؛ فقد تتحول السيطرة إلى قدرة على تعطيل الموانئ والمطارات والمنشآت النفطية والطرق، وإرغام الخصم على توزيع قواته، وإثبات أن أمن المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين لا يمكن ضمانه من دون موافقته.
وهنا يصبح المخا هدفاً ذا دلالة خاصة؛ فهي ليست مجرد مدينة ساحلية، بل موقع عسكري واقتصادي واستراتيجي شديد الحساسية. أما حضرموت، فهي قصة أخرى تماماً: مساحة واسعة، وثروة نفطية، ومنافذ بحرية، ومطار، وعمق جغرافي يصل إلى الحدود السعودية.
لماذا مأرب وحضرموت والمخا وشبوة؟
إذا وضعنا هذه المناطق على الخريطة، تظهر صورة أكثر وضوحاً.
مأرب تمثل أحد أهم مراكز الثقل العسكري والاقتصادي للقوى المناهضة للحوثيين، ولذلك فإن الضغط عليها يعني الضغط على إحدى أهم ركائز المعسكر المقابل.
المخا تمنح الحوثيين فرصة لإظهار قدرتهم على تهديد الساحل الغربي والموانئ والقوات المنتشرة هناك.
شبوة مهمة بسبب موقعها ومواردها النفطية واتصالها الجغرافي بمناطق الجنوب والشرق.
أما حضرموت، فهي ربما تمثل الاختبار الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة. فالمحافظة ليست مجرد مساحة جغرافية؛ إنها ثقل اقتصادي وجغرافي وسياسي، والسيطرة على أمنها أو تعطيله يمكن أن يغير ميزان القوى في اليمن والجنوب.
ومن هنا يمكن قراءة الهجمات على حضرموت ومأرب والمخا وشبوة باعتبارها محاولة لصناعة حزام ضغط استراتيجي حول مناطق النفوذ المناهضة للحوثيين، وليس مجرد تنفيذ عمليات انتقامية.
وماذا عن التحالف؟
هنا تبدو المسألة أكثر تعقيداً. فاليوم لا يبدو ان أي طرف فيما كان يسمى بالتحالف المناصر لشرعية هادي ثما العليمي يريد ان يعود مرة أخرى لما يراه انه مستنقع وان معظم عناصر الشرعية وتحديد الشماليين ليس لديهم فعلا أي نية في العودة لصنعاء وطرد الحوثة منها.
قد يبدو للمراقب أن التحالف يلتزم الصمت أمام الهجمات الحوثية، خصوصاً إذا قورنت ردود الفعل الحالية بما كان يحدث في سنوات الحرب الأولى.
لكن الوقائع الأحدث تقول شيئاً أكثر تعقيداً. فهناك تقارير عن إعادة ترتيب التحالف للقوى المناهضة للحوثيين، كما ظهرت تقارير عن استعدادات لعمل عسكري أوسع، بما في ذلك احتمالات عمليات بحرية وبرية.
المشكلة الحقيقية داخل الشرعية
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية.
ماذا تستطيع الشرعية أن تفعل اليوم؟
الإجابة الأولى: هل تستطيع أن تفعل الكثير.
والإجابة الثانية، وهي الأكثر إيلاماً: قد لا تكون مستعدة فعلياً لفعل كل ما تستطيع.
فالمشكلتان اليمنية والجنوبية لم تعد مجرد نقص في السلاح أو المال. المشكلة الأساسية هي غياب مركز قرار عسكري وسياسي واضح، وتعدد الولاءات والأجندات داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
والحديث عن أن بعض قيادات الشرعية من الشمال أو من مناطق معينة لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام جماعي لأبناء الشمال أو التشكيك في ولاء الأشخاص بسبب أصولهم. القضية الحقيقية يجب أن تكون المصلحة السياسية التي يتحرك وفقها المسؤول، والقرارات التي يتخذها، والنتائج التي تترتب عليها.
لكن في الوقت نفسه، لا يجوز تجاهل حقيقة أن جزءاً من النخب السياسية والعسكرية في الشرعية نشأ تاريخياً داخل منظومة سياسية يمنية ترى وحدة اليمن ومركزية السلطة في صنعاء باعتبارهما مسلّمتين، في حين أن قوى جنوبية واسعة تنظر إلى القضية من زاوية مختلفة تماماً.
وهنا ينشأ التناقض. قد يكون هناك مسؤول يعلن أنه يقاتل الحوثيين، لكنه لا يرى أن إعادة بناء دولة جنوبية مستقلة هدف مشروع.
وقد يكون مستعداً لمحاربة الحوثي، لكنه غير مستعد للقبول بأن تؤدي هزيمة الحوثيين إلى تغيير جذري في شكل الدولة اليمنية.
وهذا هو الفرق بين محاربة الحوثيين وتغيير المعادلة اليمنية الجنوبية التي أنتجت الحوثيين.
هل تتطابق أهداف بعض أطراف الشرعية مع الحوثيين؟
سياسياً يمكن القول إن (الشرعية الشمالية والحوثيين متفقون).
فالطرفان متصارعان عسكرياً وسياسياً، والحوثيون يمثلون سلطة أمر واقع تسيطر على صنعاء ومناطق واسعة من الشمال، بينما الحكومة المعترف بها دولياً تنازعهم الشرعية والسيطرة.
لكن يمكن الحديث عن تقاطع مصالح أو تقاطع تصورات لدى بعض القوى والشخصيات في قضايا معينة.
وأبرز هذه القضايا هي الخوف من قيام دولة جنوبية مستقلة، والرغبة في إبقاء الموارد الاستراتيجية ضمن إطار دولة يمنية موحدة، والحفاظ على نفوذ النخب التقليدية.
وهذا التقاطع، إن وجد، لا يعني بالضرورة وجود تحالف سري بين هذه الأطراف والحوثيين.
قد يكون الأمر أبسط وأخطر في الوقت نفسه:
قد يجد طرفان متحاربان نفسيهما يريدان النتيجة السياسية نفسها في قضية ثالثة.
وهذا هو الذي يجب على الصحافة أن تبحث عنه، لا أن تقفز مباشرة إلى اتهام بالخيانة أو العمالة من دون أدلة.
ماذا يريد الحوثيون من الجنوب؟
إذا كان الحوثيون قد فشلوا حتى الآن في إخضاع الجنوب بالقوة المباشرة، فإن ذلك لا يعني أنهم تخلوا عن الجنوب.
بل يمكن أن تكون استراتيجيتهم مختلفة.
أن يظل الجنوب منقسماً.
أن تتصارع قواه المحلية.
أن تتنازع حكومته على النفوذ والموارد.
أن تبقى حضرموت محل تجاذب.
أن تنشغل القوى الجنوبية بخلافاتها الداخلية.
وأن يظل المعسكر المناهض للحوثيين عاجزاً عن تشكيل جبهة عسكرية وسياسية موحدة.
في هذه الحالة لا يحتاج الحوثي إلى احتلال عدن أو المكلا غداً.
يكفيه أن يصل إلى لحظة تصبح فيها الأطراف الأخرى مقتنعة بأن التفاوض معه أقل كلفة من مواجهته.
وعندها تتحول القوة العسكرية التي بناها خلال سنوات الحرب إلى ورقة تفاوضية تفرض شروطها على الجميع.
ماذا تستطيع الشرعية أن تفعل الآن؟
أول ما تستطيع فعله هو التوقف عن انتظار المعجزة الخارجية.
التحال يستطيع أن يقدم دعماً سياسياً ومالياً، لكنه لا يريد ولا يستطيع أن يخوض حرب اليمن نيابة عن اليمنيين إلى ما لا نهاية.
ثانياً، يجب إعادة تعريف المهمة العسكرية: ليس المطلوب فقط الدفاع عن المواقع، وإنما استعادة المبادرة.
الهجمات الأخيرة أثبتت أن سياسة الدفاع المستمر تتيح للحوثيين اختيار الزمان والمكان، وإجبار القوات الحكومية على الانتظار.
ثالثاً، يجب توحيد غرف العمليات والقوات، وإبعاد التشكيلات العسكرية عن الصراعات السياسية قدر الإمكان.
رابعاً، يجب حماية مأرب وحضرموت وشبوة والساحل الغربي باعتبارها منظومة واحدة، لا جبهات منفصلة.
خامساً، يجب أن تتحول الموارد النفطية والموانئ والمطارات والطرق إلى عناصر قوة للدولة، لا إلى مصادر تمويل متصارعة بين مراكز النفوذ.
وسادساً، وهو الأهم، يجب أن تقدم الشرعية مشروعاً سياسياً جديداً.
فلا يمكن أن تقول لليمنيين: قاتلوا الحوثي من أجل العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحوثي.
ذلك الوضع هو الذي انهار.
المعركة الحقيقية ليست على صنعاء فقط
ربما يكون أكبر خطأ استراتيجي هو استمرار اختزال الحرب اليمنية في سؤال واحد: «متى تدخل الشرعية صنعاء؟»
السؤال الأصح هو:
ما شكل اليمن الذي سيخرج من الحرب؟
فالحوثي يريد أن يخرج من الحرب قوة لا يستطيع أحد تجاوزها.
والشرعية، إذا أرادت البقاء، يجب أن تتحول من مظلة مؤقتة لمجموعة قوى متنافسة إلى مشروع دولة.
أما الجنوب، فلا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد مساحة جغرافية ينبغي استعادتها أو إخضاعها، بل باعتباره طرفاً رئيسياً في تحديد مستقبل اليمن.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة.
إذا ظل هدف بعض القوى في الشرعية الشمالية هو مجرد استعادة صنعاء وإعادة إنتاج المركزية القديمة واقصاء الجنوبيين وطمس هويتهم وحقوقهم، بينما يظل هدف الحوثيين هو الاحتفاظ بمركزية صنعاء وفرض نفوذهم على بقية اليمن والجنوب، فإن الطرفين ـ رغم الحرب بينهما ـ قد يلتقيان في رفض تغيير جذري لبنية الدولة.
وهذا قد يكون أخطر من الصاروخ والمسيّرة.
الخلاصة
الهجمات الحوثية الأخيرة يجب ألا تُقرأ فقط باعتبارها تصعيداً عسكرياً عابراً.
إنها اختبار لقدرة المعسكر المناهض للحوثيين على الصمود، واختبار لمدى استعداد التحالف او ما تبقى منه لتغيير قواعد اللعبة، واختبار أيضاً لمدى قدرة الشرعية على الانتقال من الدفاع إلى المبادرة.
أما الهدف النهائي للحوثيين، فمن الصعب الجزم بأنه احتلال كل اليمن عسكرياً. الأرجح أن هدفهم الأكثر واقعية هو الوصول إلى وضع تصبح فيه الجماعة القوة التي لا يمكن تجاوزها في أي تسوية يمنية، مع الاحتفاظ بمركز الثقل في صنعاء والشمال، واستخدام الصواريخ والمسيّرات والسيطرة على خطوط الملاحة والضغط على الموارد والمناطق الحيوية لإجبار خصومها على التفاوض وفق شروط أقرب إلى شروطها.
ولذلك فإن المعركة المقبلة قد لا تكون معركة تحرير صنعاء بالمعنى التقليدي.
قد تكون معركة منع الحوثيين من تحويل ميزان القوة العسكري الذي صنعوه خلال سنوات الحرب إلى حق سياسي دائم في تقرير مستقبل البلاد كلها.
أما الشرعية، فإن أمامها خيارين لا ثالث لهما تقريباً:
إما أن تتحول إلى مشروع دولة حقيقي، يعترف بتعدد البلاد السياسي والجغرافي ويعيد تنظيم قواه العسكرية على أساس واضح؛ بما في ذلك العود الى وضع ما قبل 1990، وإما أن تبقى مظلة لمصالح متناقضة، تنتظر التحالف حيناً، وتختلف مع الجنوب حيناً، وتدافع عن مواقعها حيناً، بينما يواصل الحوثيون وحدهم تحديد إيقاع الحرب. وفي الحالة الثانية، قد لا يحتاج الحوثي إلى إسقاط خصومه عسكرياً. يكفيه أن ينتظر حتى يسقطوا سياسياً من تلقاء أنفسهم.