آخر تحديث :الأربعاء - 19 أغسطس 2026 - 10:24 م

كتابات واقلام


تفكيك الجبهة الداخلية.. الأخ في مواجهة أخيه

الأربعاء - 19 أغسطس 2026 - الساعة 10:10 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


عندما تعجز عن كسب خصمك، لا تدخل معه في معركة مباشرة؛ ابحث عن نقطة ضعفه، ثم اجعل خصومه يتكفلون بالباقي.
هذه، باختصار، واحدة من أخطر قواعد إدارة الصراعات السياسية والإعلامية.
وفي حالتنا الجنوبية، يبدو أن هناك من فهم طبيعة المجتمع جيدًا، وأدرك أن الجنوبي، بطبيعته، شديد الارتباط بموقفه، سريع الانفعال تجاه ما يعتقد أنه حق، وأكثر استعدادًا للدفاع عن فكرته حتى النهاية. وهي خصال يمكن أن تكون مصدر قوة حين تُدار بعقل، لكنها تتحول إلى نقطة ضعف خطيرة حين تُستثمر في تفكيك الصف الداخلي.
السعودية، في تقديري، أدركت هذه النقطة مبكرًا.
وحين شعرت أن المزاج الجنوبي لم يعد كما كان، وأن مساحة التأييد تتراجع، لم يكن عليها أن تدخل في مواجهة مباشرة مع الجميع. كان يكفي أن تستقطب بعض الأصوات المؤثرة، وتمنحها المساحة والمال والاهتمام، ثم تتركها تخوض المعركة نيابة عنها.
وهنا حدث ما هو أخطر من الاستقطاب نفسه.
أصبح الجنوبي يستهلك طاقته في مهاجمة الجنوبي.
بدل أن ينشغل الخطاب بسؤال: ماذا تفعل هذه الدولة أو تلك في قضيتنا؟ أصبح السؤال: من معنا ومن ضدنا؟ ومن ذهب إلى الرياض؟ ومن عاد منها؟ ومن قبض؟ ومن باع؟ ومن خان؟
وهكذا انتقلت المعركة، بهدوء شديد، من مواجهة السياسات إلى تصفية الحسابات بين أبناء القضية الواحدة.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن نتوقف عندها طويلًا.
لقد أصبح خطابنا تجاه بعضنا البعض أكثر حدة مما ينبغي، وتحولت الخلافات السياسية إلى خصومات شخصية، وتحول الاختلاف في الرأي إلى تخوين، ثم إلى شيطنة، ثم إلى إلغاء كامل للآخر.
وما إن يذهب أحدنا إلى الرياض حتى يصبح في نظر البعض مشروع خصم، وكأن مجرد الجلوس في مكان ما يغير تاريخه ومواقفه وقضيته.
وهنا نكون قد وقعنا في الفخ.
ليس المطلوب أن نبرئ أحدًا، ولا أن نمنح صكوك غفران لمن يغير مواقفه، ولا أن نصمت عن المال السياسي أو الاستقطاب أو التأثير الخارجي.
لكن المطلوب أن نعرف من أين تأتي المعركة، وإلى أين تُوجَّه.
فالخصومة السياسية شيء، وتحويل أبناء القضية الواحدة إلى أعداء شيء آخر.
الجبهة التي تفككت من الداخل
المشكلة أن المجتمع الجنوبي لا يجيد، في الغالب، إدارة الاختلاف بهدوء.
نحن نميل إلى الحسم السريع: إما أن تكون معي أو ضدي.
لا توجد عندنا مساحة واسعة تقول: قد أختلف معك، لكنني لا أكرهك. وقد أرفض موقفك، لكنني لا أسقط تاريخك. وقد أرى أنك أخطأت، لكنني لا أراك خائنًا لمجرد أنك أخطأت.
وهذا هو المرض الذي يحتاج إلى علاج.
لقد أصبح بعضنا يتعامل مع الخلاف السياسي كما لو أنه معركة داحس والغبراء، وكأن كل اختلاف يستوجب معركة جديدة، وكل كلمة تستدعي كلمة أقسى منها، وكل موقف يحتاج إلى رد أشد منه.
وبين تغريدة وأخرى، ومنشور وآخر، يصبح الأخ خصمًا، والزميل عدوًا، والصديق متهمًا.
والأخطر من ذلك أننا نفعل هذا أحيانًا ونحن نعتقد أننا ندافع عن القضية!
أي قضية تلك التي تحتاج إلى تحطيم أهلها حتى تنتصر؟
درس الشمال الذي لم نتعلمه
في المقابل، يبدو المشهد في الشمال أكثر قدرة على احتمال التناقض السياسي.
قد تجد الأسرة الواحدة منقسمًا أفرادها بين الحوثيين والشرعية وأطراف أخرى، ومع ذلك تستمر الحياة بينهم، وتبقى صلات القرابة قائمة، ويظل الأخ أخًا حتى لو اختلف معه سياسيًا إلى آخر الدنيا.
لا يعني ذلك أن الشمال خالٍ من الصراعات أو الخصومات، لكنه يملك قدرة أكبر على فصل العلاقة الاجتماعية عن الاصطفاف السياسي.
أما نحن، فسرعان ما نخلط الاثنين.
نختلف سياسيًا، فنقطع العلاقة.
نختلف إعلاميًا، فنشتم بعضنا.
نختلف في الموقف، فنبحث عن تاريخ بعضنا لنطعن فيه.
وكأن المطلوب من الجنوبي أن يختار بين عقله وكرامته، وبين انتمائه وقناعاته.
وهذه أخطر هدية يمكن أن نقدمها لأي طرف يريد تفكيكنا.
المال حين يتحول إلى سلاح سياسي
لا يمكن تجاهل العامل الاقتصادي.
حين يعيش الإنسان سنوات طويلة في الفقر وانقطاع المرتبات وانهيار الخدمات وضيق سبل الحياة، يصبح المال أكثر من مجرد مال.
قد يتحول إلى وسيلة ضغط، وإلى باب للنفوذ، وإلى أداة لإعادة تشكيل المواقف.
ولهذا فإن ضخ الأموال في بيئة منهكة اقتصاديًا ليس مجرد مساعدة بريئة بالضرورة؛ فقد يكون له أثر سياسي وإعلامي بالغ، خصوصًا عندما يترافق مع استقطاب الشخصيات المؤثرة والمشاهير وأصحاب المنابر.
لكن الخطأ الأكبر ليس في وجود المال وحده.
الخطأ أن نسمح للمال بأن يجعلنا نخوض حربًا ضد بعضنا البعض.
فحتى لو أراد الآخرون تفكيك صفنا، نحن وحدنا من يقرر إن كنا سنمنحهم هذه الفرصة أم لا.
لا أحد يربح حين يخسر الجنوب أبناءه
المفارقة المؤلمة أن بعضنا أصبح يؤدي المهمة التي كان ينبغي أن يؤديها خصمنا.
نحن الذين نشتم بعضنا.
نحن الذين نشكك في بعضنا.
نحن الذين نفتش في نوايا بعضنا.
نحن الذين نحول الخلاف السياسي إلى عداوة شخصية.
ثم نتساءل: لماذا لم نتقدم؟
كيف نتقدم ونحن نخوض حربًا داخلية مفتوحة على منصات التواصل، وكل طرف يريد أن يثبت أن الطرف الآخر هو المشكلة؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب ليس أن يختلف أبناؤه، وإنما أن يفقدوا القدرة على الاختلاف دون أن يتحولوا إلى أعداء.
فالاختلاف السياسي طبيعي، أما كراهية المختلف فليست سياسة.
والنقد حق، أما التخوين فليس نقدًا.
والاختلاف في الموقف مشروع، أما إسقاط الكرامة والتاريخ لمجرد الاختلاف فليس بطولة.
لا تجعلوا الرياض عنوانًا لكل معركة
ليس كل من ذهب إلى الرياض باع قضيته.
وليس كل من رفض الذهاب إليها وطنيًا بالضرورة.
المواقف لا تُقاس بجواز السفر ولا بصورة الفندق ولا بموقع الاجتماع ولا حتى بحجم "الحبة الموز"، وإنما بما يقوله الإنسان وما يفعله وما يقدمه من مواقف.
من أخطأ ننتقده.
ومن باع موقفه نحاسبه سياسيًا وإعلاميًا.
ومن ثبت على موقفه نحترمه.
لكن لا نحول كل جنوبي ذهب إلى الرياض إلى عدو، ولا كل جنوبي بقي في البلاد إلى بطل.
هذه الطريقة في التفكير تخدم من يريدنا أن ننشغل ببعضنا، أكثر مما تخدم قضيتنا.
كلمة أخيرة
إذا كان هناك من يريد تفكيك جبهتنا الداخلية، فإن أفضل رد عليه ليس مزيدًا من الصراخ، ولا مزيدًا من الشتائم، ولا فتح معارك جديدة بين أبناء الجلدة الواحدة.
أفضل رد هو الوعي.
أن نعرف أن اختلافنا لا يعني عداوتنا.
وأن نُدرك أن الجنوبي الذي نختلف معه اليوم قد يكون هو نفسه من نقف إلى جواره غدًا.
فلنختلف، نعم.
فلننتقد، نعم.
فلنحاسب من يخطئ، نعم.
لكن لنحذر من أن يتحول اختلافنا إلى كراهية، ونقدنا إلى تخوين، وخلافنا السياسي إلى قطيعة اجتماعية.
ترشيد الخطاب بين الإخوة ليس ضعفًا، والتسامح مع المختلف ليس خيانة، واحترام الخصم السياسي لا يعني التنازل عن الموقف.
لقد جُرّب السلاح، وجُرّبت الخصومة، وجُرّبت القطيعة، ودفع الجنوب ثمنًا باهظًا من دم أبنائه وعمره ومستقبله.
فلا تجعلوا منصات التواصل الاجتماعي ميدان حرب جديدًا بين أبناء القضية الواحدة.
فالعدو الحقيقي لا يحتاج إلى أن يهزمنا، إذا استطعنا نحن أن نهزم بعضنا.
والعاقل في هذه المرحلة ليس من يرفع صوته أكثر، ولا من يشتم خصمه بأقسى الكلمات؛ بل من يعرف متى يتكلم، وكيف ينتقد، ومتى يمد يده إلى أخيه ويقول له:
نختلف معك، لكنك تظل أخانا... وقضيتنا أكبر من خلافنا.