آخر تحديث :الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - 06:23 م

كتابات واقلام


مأساة "الدون الهادئ" وحروب الهويات العالقة

الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - الساعة 05:55 م

د. ياسين سعيد نعمان
بقلم: د. ياسين سعيد نعمان - ارشيف الكاتب


ماذا لو أن ميخائيل شولوخوف، مؤلف رواية «الدون الهادئ» الحائزة على جائزة نوبل ، كان حيًّا اليوم !!!ترى ، ماذا الذي كان سيفعله، لو أنه جلس أمام التلفزيون ورأى موسكو تقصف مدن أوكرانيا بالصواريخ فرط صوتية ، ورأى كييڤ تمطر موسكو بالدرون ، ورأى السماء التي تغطي نهري " الدون " و" الدينيبر " والسهوب الواسعة من تلك الأرض التي ، تعانقت ، واختلطت فيها الهويات في معارك التحدي المشتركة من أجل البقاء ، تُمْطَر بالصواريخ المتبادلة .. تدمر المدن التي عرفها التاريخ الروسي ، وتتحول إلى ساحات حرب؟
هل كان سيعيد كتابة «الدون الهادئ»؟
يُطرح هذا السؤال ، ليس لأن الرواية أخطأت في وصف الإنسان الروسي الذي كان يعيش بقلب روسي وعقل أوكراني ، والأوكراني الشديد الانتماء إلى الهوية الروسية الجامعة ، وإنما لأن التاريخ نفسه عاد ليضع ذلك الإنسان في هذه المنطقة من العالم أمام امتحان جديد .
في «الدون الهادئ» لم تكن الحرب عند "شولوخوف" مجرد صراع بين الأحمر (البلشفي) القادم من أعماق المانيفاكتورة الروسية وحقول القمح الأوكرانية ، والأبيض القيصري المتجذر في قصور البرجوازية والكولاك في بطرسبرج وكييڤ وموسكو ومدن البحر الأسود ومقاولي المقاتلين القوقاز . كانت زلزالًا أصاب الإنسان قبل أن يصيب الأرض .
كانت الحرب تُسقط الشعارات عندما تصطدم بالدم، وتكشف أن الإنسان الذي يحمل البندقية قد يجد نفسه بعد لحظات يقتل أخاه أو جاره أو ابن قريته.
لم تكن القيمة الكبرى للرواية في انحيازها السياسي بقدر ما هي في قدرتها على رؤية المأساة الإنسانية خلف السياسة.
ولو عاش شولوخوف إلى اليوم، لربما وجد نفسه أمام السؤال ذاته، ولكن على نطاق أوسع وهو :
ماذا يحدث عندما تتحول فكرة الدولة ، أو الأمن، أو التاريخ، أو استعادة المجد الإمبراطوري إلى مبرر للحرب؟
ربما كان سيقف حائرًا بين روسيا التي أحبها، وروسيا التي تقتل باسم الدفاع كيانيتها وحرم أمنها ، وبين أوكرانيا التي عشقها وتغنى بحقولها وشغف فلاحيها بعبق الأرض وأوكرانيا التي تقتل باسم استعادة هويتها .
مبرران لا يسعفان القاتل أمام محكمة التاريخ !!
وربما كان سيكتشف أن أكثر ما يؤلم في الحرب ليس أن يموت العدو، وإنما أن تتحول البلاد إلى مكان يصبح فيه قتل الآخر فعلًا وطنيًا، ويصبح الاعتراض عليه خيانة.
كان شولوخوف يعرف شيئًا عميقًا عن الحروب : أنها تبدأ بأفكار كبيرة ، وتنتهي بأجساد صغيرة .
والأرجح أنه لم يكن سيقف مع موسكو أو كييف بالمعنى السياسي المباشر، بقدر ما كان سيقف مع الإنسان الذي تدفعه الحرب إلى خندق لم يختره، ومع الأم التي تنتظر ابنها، ومع الجندي الذي لا يعرف لماذا يقتل، ومع المدن التي تتعرض للخراب وهي في قمة الازدهار ،
لكن السؤال الأصعب هو: هل كان سيعيد كتابة «الدون الهادئ»؟
ربما يفكر في كتابة جزءٍ خامسٍ لم يخطر له في زمنه عن روسيا التي انتقلت من حرب أهلية مزقت أبناءها إلى حرب خارجية تعيد، بصورة مختلفة، إنتاج المأساة ذاتها.
وقد يكتشف أن التاريخ الروسي لم يتعلم كل دروسه بعد ، وأن أدبه الواسع والعميق لم يكتشف سوى القدر اليسير من العقلية التي لطالما تعملقت وتقزمت في مجرى الأحداث التي صنعت التاريخ .
في روايته كان "غريغوري ميليخوف" ،بطل الرواية ، يبحث عن مكان له بين عالمين متصارعين، ولم يكن يعرف أين يقف؛ لأن الوقوف مع أحد الطرفين كان يعني، في كثير من الأحيان، أن يخسر جزءًا من نفسه.
كان يجسد التيه في أشد تجلياته وضوحاً . فهو يقاتل تارة مع جيش القيصر ، وتارة مع البلاشفة (الحمر) ، وتارة مع (البيض) المناهضين لهم . كان يبحث عن "الحقيقة" .. ضاع بين ولاءات متضاربة كغيره في مناطق التماس ( مثل دونباس أو القرم ) العالقة بين هويتين . لم يكن مجرد مجرد مقاتل قوزاقي عابر ، بل كان تجسيدًا لتمزق الهوية وعقم الاختيار .
هذا التيه المأساوي ليس تاريخًا مطويًا ، بل هو الواقع الحي الممتد على طول خطوط المواجههة . لقد كان ضحية "التماس" الثقافي والجغرافي . فالرجل الذي يحمل في عروقه دماً مشتركًا ، أب روسي وأم أوكرانية ، أو العكس ، غدا غريبًا في وطنه ، وعاجزًا عن العثور على مكان نقي لا يرى فيه وجه أخيه أو جاره كعدو .
في هذا الصدام المعاصر ، يبدو الحياد خطيئة ، وتتحول الهوية المشتركة ، التي كانت ذات يوم مصدر اعتزاز ، إلى لعنة ، ومقصلة ليعيد التاريخ انتاج تيه "'ميليخوف" في أجساد ملايين البشر الذين يجدون أنفسهم مجبرين على توجيه السلاح
إلى أنفسهم .
لقد عبر كاتب الرواية العظيم عن تيه بطل روايته بصورة بدا فيها وكانه يتنبأ بما يحدث اليوم في هذا الجزء من الدولة الأوراسية المتعددة الهويات والقوميات ، وهو الجزء الأكثر التصاقًا وقربًا واندماجًا ، مما يجعل السؤال الذي سيطارد شولوخوف اليوم هو :
عندما تصبح الدولة في حرب، هل يكون واجب الكاتب أن يقف مع دولته، أم مع الحقيقة؟
أظن أن شولوخوف، لو امتلك شجاعة فنه القديم، كان سيختار الحقيقة .. لكنه لا بد من التأكيد أن الدولة هي الحقيقة ذاتها ، والتي لا مفر من اختيارها .
فالأدب العظيم لا يكتب التاريخ من وجهة نظر المنتصر، بل من داخل جرح الإنسان .
ولعل شولوخوف، لو رأى دونَه الهادئ اليوم، لما أعاد كتابة الرواية كلها؛ لكنه ربما كان سيضيف إليها سطرًا واحدًا:
لقد تغيّرت الرايات، وتغيّرت الأسلحة، وتغيّرت أسماء المدن… لكن الإنسان الذي تدفعه الحرب إلى قتل أخيه لم يتغير كثيرًا.
وهنا تكمن مأساة «الدون الهادئ» التي لم تنتهِ بعد.