آخر تحديث :الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - 05:55 م

كتابات واقلام


الجنوب العربي بين شريك مُعانق للحلم وخصم يُمارس الابتزاز

الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - الساعة 05:28 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


في خضم التحولات الدراماتيكية التي يشهدها الجنوب العربي، تبرز حقيقة مرة كشفتها الأحداث، خصوصاً في بداية العام 2026: أن التحالف الذي قيل إنه موحد لم يكن سوى واجهة لتضارب جذري في المصالح. فبينما كانت الإمارات تمتد يد العون للجنوب كشريك ند، كانت السعودية تمارس لعبة الابتزاز السياسي، متخذةً من القضية الجنوبية ورقةً للمساومة وليست غايةً للتحرير. وهنا، لا بد من وقفة شجاعة نفضح فيها زيف الرواية السعودية، ونضع النقاط على الحروف في ملف مصيري.

منذ البداية، كان الفرق واضحاً كالضوء والظل. الإمارات، وبكل جرأة، تعاملت مع الجنوب ككيان له تطلعاته الشرعية، ودعمت بناء جيش جنوبي قادر على حماية الأرض، وساندت حلم استعادة الدولة بعاصمتها عدن على حدود ما قبل 1990. في المقابل، وقفت السعودية في الضفة الأخرى، ليست فقط متفرجة، بل عرقلة ومخططاً لإفشال أي مشروع استقلالي. لم تكن الرياض يوماً صديقة للجنوب، بل كانت وما زالت سجناً كبيراً لتطلعاته، تسعى بكل الوسائل لإبقائه أسيراً للوحدة المفروضة، حفاظاً على أجنداتها التوسعية.

ولم تكن مواقف المملكة وليدة اللحظة، بل هي نتيجة لثلاث قناعات راسخة:

أولاً، انطلقت الرياض من نظرة دونية للشعب الجنوبي، معتبرة أن طبيعته العصية على الوصاية تشكل خطراً على مشروعها الهيمنوي، على عكس الشمال الذي وجدت فيه أرضاً خصبة للسيطرة، حيث يمكن شراء الولاءات بالمال، وتصفية المعارضات بالوعود.

ثانياً، صنعت السعودية من النظام الشمالي (الجمهورية العربية اليمنية سابقاً) ذراعاً لها، مستغلة ضعف قادته وإغراقهم بالهبات لتمرير مخططاتها، بل وصل بها الأمر إلى فرض حظر على استكشاف النفط في الجوف لعقود، وكأن ثروات اليمن كلها وقفٌ في خدمة الهدف الاستراتيجي السعودي الأوحد.

ثالثاً، والأكثر إيلاماً، أنها لم تؤمن باستقلال الجنوب يوماً، بل استغلت القضية كورقة مساومة كبرى؛ فأجبرت الشمال على التنازل عن أراضٍ يمنية خالصة (جيزان، نجران، عسير) مقابل التعهد بإجهاض أي تحرك جنوبي، والتنسيق لنهب ثروات حضرموت وشبوة والمهرة، وكأن الجنوب مجرد مزرعة توزع حصصها في غرف مغلقة.

لكن عام 2026 كان كاشفاً ومزلزلاً. حين تمكن الجيش الجنوبي من تحرير حضرموت والمهرة، وطرد قوات الاحتلال الشمالية الباقية منذ حرب 1994، واقترب حلم الاستقلال خطوةً تاريخية، انكشف المستور. لم تتردد السعودية لحظة في التحالف مع كل أعداء الجنوب، بما فيهم الحوثيون، لقلب الطاولة. قصف الطيران السعودي للقوات الجنوبية وقتل المئات لم يكن مجرد تدخل عسكري، بل كان إعلان حرب مكشوفة على المشروع الجنوبي برمته.

لماذا هذا التصعيد السافر؟ لأن الخمسة مخاوف السعودية تجسدت أمام عينيها:

1. استقلال الجنوب كان سيقضي على نفوذها بالكامل ويحوله لمعقل إماراتي.

2. سيطرتها على نفط الشرق كانت ستتهاوى بين ليلة وضحاها.

3. ملفات النهب والفساد في حضرموت كانت على وشك الانكشاف للعالم.

4. مشروعها الاستراتيجي لتصدير النفط عبر البحر العربي (لتجاوز هرمز) كان سيصبح مستحيلاً.

5. علاقاتها الخفية المالية مع الحوثي كانت ستنفضح أمام الرأي العام.

أما الإمارات، فمهما قيل عن مصالحها في ميناء عدن وباب المندب، فإن وقوفها مع الجنوب في أحلك الظروف كان ثابتاً. لم تخن العهد، وقدمت دعماً سخياً دون أن تفرض وصاية، ولذلك نالت حب الجنوبيين وقبولهم، بينما رسخت السعودية قدمها في قلوب الجنوبيين كعدو تاريخي، لا يحركه سوى الجشع، ولا يعترف إلا بلغة القوة والابتزاز.

في النهاية، لا يمكن للجنوب العربي أن ينسى من وقف معه ومن تآمر عليه. السعودية، بعقلية الوصاية والنهب، أثبتت أنها العقبة الكأداء أمام أي استقلال، وأن كل وعودها بالدعم كانت مجرد سراب. أما الجنوب، فقد آن الأوان ليختار دربه بوعي، مدركاً أن حريته لن تأتي من بوابة من عاداه، بل من طريق من آمن بحقه في الوجود. التاريخ سيذكر للجميع من كان مع الحق، ومن ظل أسيراً لأطماعه الاستراتيجية.

الصحفي صالح حقروص
2026/8/25م