آخر تحديث :الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - 09:35 م

كتابات واقلام


التفاعل لا يصنع القرار.. وهم التأثير في زمن التواصل الاجتماعي

الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - الساعة 09:23 م

فتاح المحرمي
بقلم: فتاح المحرمي - ارشيف الكاتب


في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح التفاعل الرقمي بالنسبة لبعض الصحفيين والنشطاء معياراً لقياس التأثير. فبمجرد أن يحظى أحدهم بعدد من الإعجابات والمشاركات والتعليقات، يبدأ في تصديق أنه أصبح لاعباً مؤثراً في صناعة القرار، وكأن صُنّاع السياسات في العواصم الكبرى يترقبون منشوراته لمعرفة ما الذي ينبغي عليهم فعله.
المشكلة لا تكمن في التعبير عن الرأي أو امتلاك جمهور واسع، وإنما في تحويل التفاعل إلى وهم بالقوة والتأثير، والاعتقاد بأن ما يُكتب على منصات التواصل يمكن أن يحل محل المؤسسات ومراكز الدراسات وأجهزة الدولة وأدوات التقييم والتحليل السياسي والأمني.
وفي المشهد اليمني، تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحاً، فمع تعقّد المشهد السياسي والعسكري وتعدد الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، ظهرت تحليلات تتعامل مع الأحداث وكأنها تُدار وفق ما يكتبه هذا الناشط أو ذاك الصحفي. يكتب أحدهم منشورا ثم يتعامل مع حجم التفاعل معه وكأنه دليل على أن العواصم الإقليمية والدولية تتابعه وتبني مواقفها وقراراتها على أساسه.
والحقيقة أن القرار السياسي والعسكري لا يصنعه منشور، ولا تحدده كثافة التعليقات أو عدد المشاركات، بل تقف خلفه مؤسسات وأجهزة ومعلومات وتقارير وتقديرات ومصالح وحسابات استراتيجية، فضلاً عن قنوات دبلوماسية وأمنية وعسكرية تعمل بعيدًا عن منصات التواصل، وهذا لا يعني أن الإعلام لا تأثير له، فالصحافة المهنية تستطيع كشف الحقائق وصناعة النقاش العام، لكن ذلك يختلف تمامًا عن وهم التأثير.
في النهاية لا يُقاس التأثير الحقيقي بعدد الإعجابات والتعليقات، وإنما بقدرة الفكرة على الصمود أمام النقد والاختبار، واستنادها إلى المعرفة والوقائع والمنطق. نحن بحاجة إلى قدر أكبر من الوعي وأقل من وهم التأثير، حيث أن التأثير الحقيقي لا يُصنع بالضجيج، بل بالفكرة العميقة والطرح المتزن والقدرة على فهم الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون.

25 أغسطس 2026م