آخر تحديث :الجمعة - 18 سبتمبر 2026 - 02:54 م

كتابات واقلام


لماذا الرياض مصرّة على إقصاء الأطراف الفاعلة على الأرض لصالح الإخوان المسلمين؟

الجمعة - 18 سبتمبر 2026 - الساعة 02:54 م

د.أمين العلياني
بقلم: د.أمين العلياني - ارشيف الكاتب


في خريف يناير 2026، تكشّفت مشهدية الحرب اليمن شمالًا وجنوبًا عن مفارقةٍ عجيبة: قوى تقاتل على الأرض، وتقدّم التضحيات، وتمتلك الشرعية الثورية والتفويض الشعبي والوجود العسكري، تُدفَع إلى الهامش والاقصاء والاستبعاد. وقوى أخرى، أثقلت كاهل التحالف وموارد الحكومة وجلست في غرف الفنادق المكيّفة، تصعد إلى متن القرار. والسؤال الذي يفرض نفسه بحدّة: لماذا تُصرّ الرياض على إقصاء الأطراف الفاعلة على الأرض لصالح الإخوان المسلمين؟

الجواب ليس في تصريحٍ معلن، ولا في وثيقةٍ مسرّبة، بل في منطق الدولة الراعية نفسها؛ فالرياض لا تبحث عن حليفٍ قويّ، بل عن حليفٍ قابل للضبط. والمجلس الانتقالي الجنوبي، بقواعده الاجتماعية وملايينه الجماهيرية ونخبه السياسية وقواته والعسكرية ومشروعه السياسي المستقل، يمثّل — من منظور مركز القرار السعودي — كتلةً عصيّة على الإدارة، لا لأنها معادية، بل لأنها تمتلك إرادةً صلبة في مشروع يؤمن به الشعب وتمثله قيادته المفوضة. أمّا الإخوان، بوصفهم شبكةً سياسية ممتدة، يسهل تفكيكهم وإعادة تركيبهم، ويقبلون بالتمويل والتعيين والقرار المركزي، فهم الطرف المثالي لأيّ هندسةٍ إقليمية.

هنا تكمن المعادلة الصارخة: القوة التي تستطيع فرض أمرٍ واقعٍ مستقل تصبح عبئًا على راعيها، والقوة التي تعتمد على الخارج في بقائها تصبح أداةً طيّعة. وليس سرًّا أن إعادة الهيكلة العسكرية التي انطلقت بعد يناير 2026، بدعمٍ سعودي مباشر، لم تستهدف فقط توحيد القوات الجنوبية، بل إعادة توزيع مراكز القوة نفسها. فمن يملك القرار على الأرض، يملك حقّ النقض على أيّ تسويةٍ قادمة.

والأخطر من ذلك كلّه: أن الرياض، وهي تبحث عن مخرجٍ من مستنقع الحرب، وتحتاج إلى طرفٍ لا يستطيع تعطيل التسوية مع الحوثيين. وقضية شعب الجنوب، بجوهرها التحرّري ومطلبها بتقرير المصير، هي العقدة الكبرى في أيّ تفاوضٍ مركزي. فإذا جرى التفاوض بين الرياض وصنعاء، وكانت القوى الجنوبية مفكّكة أو مُستوعَبة، تحوّلت قضيتهم السياسية من طرفٍ في التسوية إلى موضوعٍ للتفاوض بين الآخرين، وهذا بالضبط ما تخشاه القوى الجنوبية، وما يفسّر تأجيل الحوار الجنوبي الذي رعته الرياض.

لكن المفارقة الكبرى — وهي مفارقةٌ مزلزلة — أن إضعاف القوى المناهضة للحوثي لا يعني تقوية معسكر مناهضة الحوثي، بل قد يعني العكس تمامًا؛ فإذا تفكّكت القوى الأكثر تماسًّا مع الجغرافيا الجنوبية والساحل الغربي، من دون بديلٍ يمتلك القوة والشرعية نفسها، فإن النتيجة فراغٌ استراتيجي تلتهمه جماعة الحوثي، والتقارير الأخيرة عن تقدّم الحوثيين قرب باب المندب ليست سوى الشاهد الأول على هذه الكارثة القادمة.

والسؤال الأدقّ ليس: هل تريد الرياض تمكين الإخوان؟ بل: هل تبني الرياض نظامًا سياسيًّا وأمنيًّا في الجنوب يكون قابلًا للإدارة من الخارج، ولو اقتضى ذلك تقليص نفوذ القوى المستقلة وإعادة توزيع النفوذ لصالح قوى أكثر اندماجًا في تسويةٍ مركزية؟ هذا السؤال هو الذي يفسّر التوتر بين إعادة الهيكلة وتأجيل الحوار الجنوبي ومسار التسوية مع الحوثيين ومحاولة ضرب قوات الانتقالي وهيكلتها واقصاء قيادات الجنوب وحل المجلس الذي يمثل مشروع الشعب وتطلعاته المصبرية.

والتطور الأخطر أن الحوثيين استعادوا زمام المبادرة على الساحل الغربي، وبات تهديد باب المندب واقعًا استراتيجيًّا جديدًا ولم تعد إعادة هندسة القوى الجنوبية مسألةً داخلية في المعسكر المناهض للحوثيين، بل أصبحت مرتبطةً مباشرةً بأمن البحر الأحمر والممرات التجارية الدولية، ومن يظنّ أن إقصاء الفاعلين على الأرض يشتري سلامًا، فهو يشتري وهمًا بثمنٍ باهظ: فراغًا تملؤه المليشيات، وقضيةً سياسية يقودها الانتقالي بإرادة مفوضة تُؤجَّل لتتفجّر غدًا في وجه الجميع.