آخر تحديث :الجمعة - 18 سبتمبر 2026 - 12:08 ص

كتابات واقلام


بين شبوة 2021 وباب المندب 2026.. خمس سنوات بين النجاح والفشل

الخميس - 17 سبتمبر 2026 - الساعة 11:55 م

أوسان بن سدة
بقلم: أوسان بن سدة - ارشيف الكاتب


في خريف 2021 تهاوت جبهات جماعة الإخوان غرب شبوة أمام الحوثي بين ليلة وضحاها. وبعد خفض الإمارات وجودها العسكري في اليمن منذ 2019، بدا أن المحافظة في طريقها إلى مصير مأرب. يومها عادت الرياض وأبوظبي إلى التنسيق، ولكن على قاعدة مختلفة، تحييد نفوذ القوات المرتبطة بالإصلاح التي خسرت المديريات الغربية، والدفع بقوات جنوبية مجرّبة، تقاتل الحوثي بعقيدة وطنية جنوبية ودافع مرتبط بالأرض التي تدافع عنها.
الباحثان العسكريان Michael Knights وAlex Almeida وثّقا تلك اللحظة في دراسة لمعهد واشنطن. أعادت السعودية تقييم اعتمادها على القوى المرتبطة بالإصلاح، واقتربت من الرؤية الإماراتية بشأن فاعلية ألوية العمالقة. كما وافقت الرياض على تغيير قيادة المحافظة، وأُعيد ترتيب القوات المحلية، وتشكلت خلية عمليات سعودية إماراتية مشتركة في مطار عتق، واستُدعيت قوات العمالقة، ووُفر المال والوقود والذخيرة، ونُقلت نحو ثمانية ألوية من الساحل الغربي إلى شبوة.

وفي الوقت نفسه، جرى بناء قوات دفاع شبوة من أبناء الأرض، لتكون جزءًا من معادلة أمنية وعسكرية مختلفة عما سبقها.
النتيجة ظهرت سريعًا على الأرض؛ استُعيدت بيحان وعسيلان وعين، ثم انتقلت المعركة باتجاه حريب. لم تكن المعادلة يومها في عدد الطائرات بقدر ما كانت في اختيار القوة التي تقاتل، وعقيدتها، ومن يقودها ويسندها على الأرض. وتصف دراسة Knights وAlmeida ما جرى بأنه ثمرة ترتيب سعودي إماراتي عملي وتنسيق تكتيكي غير مسبوق بين الطرفين في تلك المرحلة.
بعد خمس سنوات تدور العجلة في الاتجاه المعاكس. الإجراءات السعودية مطلع 2026 أخرجت الإمارات من المعادلة، وأقصت وأضعفت قوى جنوبية مجرّبة، فيما انتقلت تشكيلات أخرى، بينها المقاومة الوطنية التي نشأت وتدربت بإسناد إماراتي، إلى مظلة دعم وإشراف سعودي أوسع. ثم جاء اختبار سبتمبر.
وهنا جاءت إشارة رويترز شديدة الدلالة في تقريرها الاخير .

مسؤولون ومصادر غربية وإقليمية ويمنية قالوا للوكالة إن الاختراق الحوثي جاء في ظل هيكل قيادة تقوده السعودية وغير مختبر حل محل الإشراف الإماراتي، إلى جانب انقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثي، ومحدودية الإسناد الجوي، وسوء تقدير الاستعدادات الحوثية وحشد نحو مئة ألف مقاتل. والنتيجة هذه المرة كانت انهيارًا امتد إلى المخا وميون وباب المندب.
المقارنة هنا ليست بين السعودية والإمارات في حجم القوة؛ فلا وجه للمقارنة أصلًا في الموارد والإمكانات. المسألة هي كيف تتحول هذه الموارد إلى قوة ميدانية تمسك الأرض، وتعرف لماذا تقاتل ومن تقاتل.
الإمارات فهمت مبكرًا أهمية بناء قوات محلية من أبناء الأرض، وربطها بالتدريب والاستخبارات والقيادة والسيطرة والإسناد القريب. وتجربة السنوات أثبتت أن المال والسلاح وكثرة التشكيلات وحدها لا تصنع جبهة.
اليوم أصبحت كلفة الخطأ أكبر من خسارة مديرية أو محافظة. الحوثي يقف عند واحد من أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم، والخطر أن يتحول بمرور الوقت من قوة مطلوب إخراجها من باب المندب إلى أمر واقع يتفاوض معه المجتمع الدولي على ضمان المرور فيه.
الرياض لا تحتاج إلى اختراع تجربة جديدة؛ فقد جرّبت في شبوة ما نجح، ثم جرّبت بعد ذلك ما لم ينجح. إعادة بناء التفاهم مع أبوظبي، وإعادة الاعتبار للقوات الجنوبية المجربة، لم تعد مسألة تصحيح لخلافات الماضي، بقدر ما أصبحت ضرورة لوقف واقع أخطر يتشكل عند باب المندب.
بين شبوة 2021 وباب المندب 2026 خمس سنوات فقط؛ لكنها كانت كافية لمعرفة الفرق بين بناء جبهات تقاتل الحوثي وتنتصر ، وجبهات تتهاوى من اول ضربه و لا تصمد أمامه.

أوسان بن سدة
سياسي واعلامي جنوبي