آخر تحديث :الإثنين - 26 أكتوبر 2026 - 09:51 م

كتابات واقلام


والصلح خير.. «دعوات عدم الفهم»!

الإثنين - 26 أكتوبر 2026 - الساعة 09:15 م

أ.د. عبدالوهاب العوج
بقلم: أ.د. عبدالوهاب العوج - ارشيف الكاتب


للأسف، تكشف بعض الدعوات المطالبة بالصلح في اليمن عن قصور واضح في فهم جذور الصراع وطبيعته ومساراته التاريخية. فالبعض يتصور أن تدخل الأزهر الشريف أو غيره من المؤسسات الدينية كفيل بإنهاء الحرب، بينما يختزل آخرون ما يجري في اليمن في خلافات قبلية يمكن تسويتها بوساطة تقليدية، متجاهلين أن الصراع تجاوز هذه التفسيرات بكثير، وأصبح مرتبطًا بمشروع سياسي وعسكري وأيديولوجي، وبمستقبل الدولة اليمنية وهويتها الوطنية.

إن الدعوة إلى الصلح موقف نبيل من حيث المبدأ، لكن النوايا الحسنة وحدها لا تصنع سلامًا، كما أن إطلاق المبادرات قبل فهم أسباب الحرب وأطرافها وأهدافها لا يقود بالضرورة إلى حل، بل قد يفضي إلى تسويات مؤقتة تعيد إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيدًا.

لفهم ما يجري في اليمن، لا بد من العودة إلى الحروب الست التي خاضتها الدولة اليمنية ضد جماعة الحوثي في صعدة، ثم تتبع مسار توسع الجماعة، وطبيعة مشروعها السياسي والفكري، وصولًا إلى اجتياح صنعاء والانقلاب على مؤسسات الدولة عام 2014، ثم الحرب التي اتسعت إقليميًا منذ عام 2015.

ولا يمكن فهم هذا المسار بمعزل عن ارتباط جماعة الحوثي فكريًا وسياسيًا بإيران، وعن استفادتها من الدعم الإيراني في بناء قدراتها العسكرية وتوسيع نفوذها. فالجماعة لا تمثل مجرد طرف قبلي يطالب بحصته في السلطة، وإنما تمتلك مشروعًا خاصًا للحكم، وتتبنى خطابًا تعبويًا يتجاوز حدود اليمن، ويتقاطع مع استراتيجية إقليمية تقودها طهران.

ومن هنا، فإن افتراض أن وساطة دينية من الأزهر الشريف أو غيره ستكون كافية لحل الصراع يتجاهل طبيعة المشكلة. فالأزمة ليست خلافًا فقهيًا يمكن حسمه بحوار بين العلماء، ولا مجرد خصومة اجتماعية يمكن إنهاؤها بالمصالحة، بل هي صراع على السلطة والدولة والسلاح والمرجعية السياسية، تتداخل فيه الاعتبارات الأيديولوجية مع المصالح الإقليمية والحسابات العسكرية.

ولعل ما جرى خلال مؤتمر الحوار الوطني اليمني يقدم دليلًا واضحًا على أن المشكلة لا تكمن في غياب الحوار وحده. فقد استمرت أعمال المؤتمر قرابة عشرة أشهر، بمشاركة مختلف القوى السياسية، بما فيها جماعة الحوثي، وبرعاية ودعم إقليمي ودولي. وانتهى المؤتمر إلى مخرجات تضمنت التوجه نحو نظام اتحادي، جرى لاحقًا طرحه في صيغة ستة أقاليم.

لكن هذه المخرجات لم تتحول إلى واقع سياسي مستقر. فقد تداخلت حسابات جماعة الحوثي مع حسابات الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وتصاعدت التحركات العسكرية والسياسية التي انتهت بسيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014. ومع انهيار مؤسسات الدولة وتراجع قدرة الجيش على المقاومة في مواقع عديدة، انتقلت الجماعة من التوسع المسلح إلى السيطرة على العاصمة ومؤسسات الحكم، ثم تفجرت الحرب بصورة أوسع في عام 2015.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق التي ينبغي أن يدركها أصحاب دعوات الصلح: لقد جُرّب الحوار الوطني، وشاركت فيه القوى السياسية، لكن مخرجاته لم تمنع الحرب؛ لأن الاتفاقات السياسية لا تحمي نفسها ما لم تتوافر إرادة حقيقية للالتزام بها، ومؤسسات قادرة على تنفيذها، وضمانات تحول دون فرض الأمر الواقع بالقوة.

فما جدوى أي اتفاق جديد إذا بقي السلاح خارج سلطة الدولة؟ وما قيمة المصالحة إذا احتفظ أحد الأطراف بقدراته العسكرية المستقلة، وبحقه في فرض خياراته على بقية اليمنيين؟ وكيف يمكن الحديث عن سلام مستدام في ظل غياب مؤسسات وطنية موحدة، واستمرار التدخلات الخارجية، وانعدام الثقة بين الأطراف؟

إن الصلح الحقيقي في اليمن لا يبدأ بتجاهل أسباب الحرب، ولا بمساواة الدولة بمليشيا مسلحة، ولا بمنح شرعية سياسية للأمر الواقع دون معالجة جذوره، وإنما يتطلب مسارًا متكاملًا يستند إلى أربعة مرتكزات أساسية.

أولًا، إنهاء قدرة جماعة الحوثي على فرض مشروعها بالقوة، واستعادة الدولة ومؤسساتها، وإخضاع السلاح لسلطة وطنية شرعية. فالتسوية التي تترك أسباب الحرب قائمة ليست سوى هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار القادم. والمقصود ليس الانتقام أو استهداف المجتمع، بل إنهاء منطق القوة المسلحة خارج مؤسسات الدولة، وتهيئة الظروف لسلام قابل للاستمرار.

ثانيًا، إطلاق مشروع وطني لجبر الضرر وتحقيق العدالة الانتقالية وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، بما يضمن إنصاف الضحايا، وتعويض المتضررين، ومعالجة الانتهاكات، واستعادة حقوق المواطنين، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي الذي مزقته سنوات الصراع.

ثالثًا، إعادة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية على أسس وطنية ومهنية، ودمج التشكيلات المسلحة ضمن هيكل موحد يخضع لسلطة الدولة والقانون، ويضم أبناء مختلف المناطق اليمنية على أساس الكفاءة والمواطنة المتساوية. فلا يمكن بناء دولة مستقرة بجيوش متعددة الولاءات، ولا تحقيق سلام دائم ما لم يحتكر الجيش الوطني الشرعي مسؤولية الدفاع عن البلاد، وتلتزم جميع التشكيلات المسلحة بالقانون والدستور.

رابعًا، توفير دعم إقليمي ودولي جاد لاستقرار اليمن، وحماية سيادته، ووقف التدخلات التي تغذي الصراع، ومساندة عملية سياسية تفضي إلى انتخابات حرة، ومؤسسات دستورية فاعلة، ومواطنة متساوية، وضمانات تمنع العودة إلى الاستبداد أو الانقلاب على التوافق الوطني.

إن اليمنيين لا يحتاجون إلى مزيد من الدعوات النظرية للصلح بقدر حاجتهم إلى مشروع سلام يعالج أسباب الحرب، ويعيد الاعتبار للدولة، ويضمن الحقوق والحريات، ويمنع احتكار السلطة والسلاح. فالمصالحة ليست غطاءً لتكريس الانقلاب، والحوار ليس بديلًا عن تنفيذ الاتفاقات، والسلام ليس مجرد توقف لإطلاق النار، بل هو بناء لنظام سياسي يستطيع اليمنيون جميعًا العيش في ظله بأمان وكرامة ومساواة.

نعم، الصلح خير، لكن السلام الحقيقي لا يتحقق بتجاهل جذور الصراع أو الاكتفاء بالمبادرات والوساطات، وإنما بفهم طبيعة الحرب ومعالجة أسبابها، واستعادة الدولة ومؤسساتها، وتوحيد السلاح تحت سلطتها، وضمان العدالة والمواطنة المتساوية.

إن الدعوة إلى الصلح دون قراءة واعية لتجارب الماضي وموازين الحاضر ومتطلبات المستقبل قد تتحول إلى هدنة مؤقتة تعيد إنتاج الحرب بدلًا من إنهائها. ومن أراد السلام لليمن، فعليه أن يدرك أن نجاح أي تسوية مرهون بوجود إرادة سياسية حقيقية، وضمانات لتنفيذ الاتفاقات، ومشروع وطني يحمي الدولة وحقوق جميع اليمنيين.

فالسلام لا تصنعه الأمنيات وحدها، بل يصنعه فهم الصراع ومعالجة أسبابه، وبناء دولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون.

أ.د.عبدالوهاب العوج

أكاديمي ومحلل سياسي يمني