آخر تحديث :الأحد - 10 مايو 2026 - 07:25 م

كتابات واقلام


التحالف العربي يصحح خطأ يمنيا عمره ألف سنة

الجمعة - 06 نوفمبر 2015 - الساعة 12:02 م

فؤاد مسعد
بقلم: فؤاد مسعد - ارشيف الكاتب


ليست اليمن استثناءفي ما جرى ويجري فيها من صراعات سياسية وحروب دامية، غير أن ما تختزنه الذاكرة اليمنيةالجمعية عن جذر الصراع يتجلى بكل وضوح في عقدة تعرف بـ”الهضبة”، وهي المناطق الواقعةفي شمال الشمال، والمحاطة قبلية معقدة تختلف عن بقية اليمنيين في كونها تعتنق المذهبالزيدي (الشيعي) مقابل اعتناق غالبية اليمنيين للمذهب السني الشافعي، ويرى قاطنو الهضبة– وهو ما كان يراه أسلافهم قبلهم- أن حكم اليمن والسيطرة على ثرواته وإدارة شئونه حقحصري لهم دون غيرهم، وما على البقية إلا الانصياع لهذه الحقيقة والقبول بها طوعا أوكرها، وإن من يرفضها يعتبر في نظرهم عدوا يجب قتاله والحرب عليه، العمل على تصفيتهوالنيل منه والتنكيل به، لا بوصفه خصما ينازع الحكام المتسلطين الحق في السلطة، بلباعتباره “كافرا” يرفض الحق الإلهي لمن يصفون أنفسهم بـ”آل البيت”، الأوصياء على الدينوالدنيا حتى تقوم الساعة.

 

ويعتقد بعض المتابعينللشأن اليمني أن ما حدث مؤخرا من انقلاب على الشرعية المعترف بها داخليا وخارجيا، مجردمحاولة يائسة من قبل الرئيس السابق وميليشيا الحوثي للعودة إلى الحكم بالخديعة والاحتيالونسف كل الاتفاقيات والمعاهدات التي حظيت بالقبول والموافقة والرعاية الإقليمية والدولية،وفي مقدمتها المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية المزمنة ونتائج مؤتمر الحوار الوطنيوقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وهذا صحيح إلى حد كبير، بيد أنه يجب أن لا يفصل عن السياقالتاريخي للصراعات والحروب التي ظلت تنهش البلد من منذ مئات السنين، ومضمونها أن ثمةمن يرى أن الحكم حق له بموجب تفويض ديني حصل عليه قبل ألف وأربعمائة سنة، وهو ما يرفضهالشرع الصحيح والعقل السليم.

 

وقد تعززت هذه النظرةعقب سيطرة “الزيدية السياسية” ممثلة بأسرة يحيى بن الحسين الذي قدم إلى اليمن أواخرالقرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي تحت لافتة الإصلاح بين القبائل، ومنذ ذلكم التاريخظلت هذه الطائفة تشن حروبها هجوما على اليمنيين في مختلف المناطق، ودفاعا عن حق مزعوم.وتظافر لدى المتعاقبين على سفوح الهضبة عوامل عدة تدعم ادعاءهم أحقية الملك والزعامةوالوصاية، منها انتماء الفئة القابضة على النفوذ إلى بيت النبي الكريم، وهو الذي –حسب رأيهم واعتقادهم- منحهم حقا أبديا في السلطة المطلقة على شئون الناس الدينية والدنيوية،كما أنهم يرون أنفسهم أحق بغيرهم بسبب القوة والمنعة في الكتلة البشرية المحيطة بهممن خلال أكبر القبائل اليمنية وأقواها وأقدرها على حمل السلاح وخوض الحروب والعيش وسطنيرانها، مقابل محافظات ومدن وسكان يؤثرون السلام والتعايش ولا يرون في حمل السلاحما يبعث على الفخر، وساعدهم في المرحلة الراهنة حصولهم على دعم إيراني بلا حدود يشملالسلاح والخبراء وخلايا التجسس والتخريب والتدمير، بعد ما وجدت طهران في ميليشيا الحوثيينضالتها فمن خلال تلك الميليشيا الخارجة عن النظام والقانون سيتمكن الإيرانيون من إسقاطالعاصمة العربية الرابعة في قبضتهم، ويصبحوا هم سلاطين البر والبحر كما قال مرجعياتهم.

 

والحقيقة أن من يقفمليا أمام حوادث التاريخ لن يستغرب وهو يرى ويشاهد الجرائم التي ترتكبها ترتكبها ميليشياالحوثي وحلفائها من قتل للمدنيين وتدمير للبلد وإحراق للأخضر واليابس وانتقام وحصاريطال كل شيء، لأن في جعبة الماضي ما يفيد أن ما يحصل اليوم ليس إلا نسخة  لما فعله أجدادهم في مختلف أنحاء اليمن، وفي جميعمراحل الصراع الذي ما هدأ يوما إلا ليشتعل من جديد، ورحم الله الشهيد/ محمد الزبيريالذي ناهض الحكم العنصري الإمامي سنوات طويلة، وبات يطلق عليه “أبو الأحرار اليمنيين”،حينما قال:

 

“وأنتمُ طبعةُ للظلمثانيةُ  تداركت كل ما قد أهلموا ونسوا” ومماسجلته المصادر التاريخية أن الإمام عبدالله بن حمزه، (1166: 1217م) أحد أسلافهم المشهورينفي إحدى معاركه قتل عددا كبيرا من خصومه حتى عُد أكبر سفاح في تاريخ اليمن، وعندماسئل عن ذلك قال: إن جدي (الإمام علي بن أبي طالب) قتل في صفين ثلاثين ألفا بينهم صحابةشهدوا بدرا، ولن يحاسبه الله، فكيف يحاسبني على قتل هؤلاء الأوباش؟.

 

كما أن إماما آخرهو المتوكل على الله إسماعيل (1610: 1676م)، بعدما فرغ من حروبه الدموية قام بنهب أموالالمواطنين ومزارعهم، وقال مقولته المشهورة: لن يحاسبني الله عما أخذت من أموالهم ولكنعلى ما أبقيت في أيديهم.

 

وهناك كثير من الحوادثوالوقائع التي امتلأت بها مراجع التاريخ وذاكرة اليمنيين وجميعها تقود إلى نتيجة واحدة،مفادها أن هذه الفئة لا ترى

 

نفسها إلا حاكمةمتحكمة ومالكة لها الأمر والنهي، ومن يعارض فكرها فهو يستحق أقسى وأقصى عقوبة، والاتهاماتبحقه جاهزة ويسهل تكييفها وتلفيقها مع حرصهم على مراعاة ظروف الزمان والمكان في اختيارالتهم، فهذه الفئة مثلا كانت تطلق على خصومها في الماضي “كفار”، و”مرتدين”، و”نواصب”،بينما تتهم خصومها في الوقت الراهن بأنهم “تكفيريون” و”قاعدة” “دواعش”، ففي الماضيكان الخطاب موجها لبسطاء الناس باستغلال عاطفتهم الدينية، أما اليوم فإن إطلاق تهمة“داعشي” و”إرهابي” يعني الحصول على تعاطف ودعم خارجي من المجتمع الدولي الذي يرى فيالإرهاب آفة عالمية يجب الخلاص منها.

 

والخلاصة أنه ماكان لهذا الجنون الذي يزيد عمره عن ألف سنة أن يتوقف لولم يواجَه بـ”عاصفة حزم” حاسمةوقادرة على التخاطب معه باللغة الوحيدة التي يفهمها، وهو ما يقوم به التحالف العربيبقيادة المملكة العربية السعودية ومشاركة فاعلة من الأشقاء في الخليج العربي ودول عربيةوإسلامية وتوافق دولي هدفه القضاء على التمرد المسلح. وهذا الردع الحازم والحاسم الذييشكل نقطة تحول بارزة في التاريخ المعاصر كفيل – كما يرى كثيرون- بأن يقود اليمن واليمنيينإلى بر الأمان من خلال إقامة العلاقات بين مختلف المكونات اليمنية على أساس الشراكةوالحوار والتوافق، وليس تطبيق قانون الغاب وسيطرة العصابات المسلحة.

 

(كاتب وصحفي يمني)

 

Email:[email protected]