آخر تحديث :الأحد - 08 فبراير 2026 - 04:51 م

اخبار وتقارير


الجنوب: من سرديات التجزئة إلى عقدة التمثيل

الأحد - 08 فبراير 2026 - 03:11 م بتوقيت عدن

الجنوب: من سرديات التجزئة إلى عقدة التمثيل

عدن تايم/ د. أمين العلياني

تظل السرديات المغلوطة التي تحاول أن تتبناها نخب الشمال على أنها مسلمات واقعية ومحاولات إقناعية تسعى إلى تحميل الجنوب نتائجها ظلمًا وزرًا معتبرة تفسير ما وصلت إليه معاناة شعب الجنوب- كما قال الكاتب همدان العليي في مقاله المعنون عقدة تمثيل الجنوب والمأزق الشمالي- تعود إلى عقدة تمثيل تاريخية رافقت دولة الجنوب الوليدة منذ الاستقلال وظلت مستمرة إلى حكم الحزب الاشتراكي اليمني إلى دخول الوحدة ووصولًا إلى ظهور مكونات الحراك الرافضة للوحدة حتى ظهور المجلس الانتقالي المطالب باستعادة دولة الجنوب ويعدها متلازمة لا يمكن أن يتحرر منها الجنوب ويقرر أن تلك العقدة التمثيلية صارت حتمية تاريخية.


وعند التحليل الاستقصائي لهذه الفرضية المزعومة تجدها سردية بائسة غير قابلة على الصمود أمام إرادة شعب قرر عبر نضال وكفاح وتضحية أن يجعل من تلك النضالات والتضحيات مصيرًا حتميًا في تحقيق تطلعات شعب بنيت مقومات مطالبه على إدارة شعبية من جهة ونضال وكفاح وتضحية من جهة أخرى لتصبح هي المشروعية الواقعية في استعادة الدولة الناجزة قديمًا ويسعى إليها حديثًا تصبح معها الجغرافيا سيادة مبنية على أسس توحيد الهوية الوطنية الواحدة مع ثراء التنوع وحضارية الاختلاف.


ومن هنا تبرز في ساحة الأفكار والسياسة، ثمة خطابات تلبس ثوب التحليل الموضوعي؛ لتقدم في جوهرها مقولات استخباراتية مضللة، وقراءات انتقائية للتاريخ؛ تهدف إلى تجريد الجنوب من إرثه النضالي والحضاري الموحد، وتصويره ككيان متناحر مع ذاته، عاجز عن إنتاج تمثيل شرعي قادر على الحكم وحماية مشروعه السياسي التحرري الحضاري الفيدرالي.


وعند العودة إلى المقال الذي نحن بصدد تفكيكه وإبراز المغالطات التي يرى كاتبه أنها تجسد أنموذجًا لهذه السردية، التي تتعامل مع التعددية السياسية والاجتماعية – وهي ظاهرة صحية في أي مجتمع حي – ويعزوها على أنها عقدة تمثيل مزمنة لا يستطيع الجنوب أن يخرج منها، ويحمّل نخب الجنوب وإرادة شعبه مسؤولية فشل سياسات مركزية شمالية في التعامل مع قضيتهم العادلة.


إنها قراءة لا تهدف إلى الفهم بقدر ما تهدف إلى التأسيس لرواية تبسيطية تُبرئ الأنظمة المتعاقبة في صنعاء من إخفاقاتها التاريخية في التعاطي الندي مع الجنوب كشريك لا كتابع بعد الوحدة، وهو بهذه السردية التي تُلقي باللوم على التركيبة الفسيفسائية للمجتمع الجنوبي بمراحل تاريخه السياسي الطويل.


وعند الوقوف عن تسلسل أحداث تلك السردية التي تلغي دور الاستقلال الذي جسد شرعية الثورة التي كانت لا تؤمن أن تكون تفويضًا للمحتل البريطاني.


ومن هنا يبدأ المقال مغالطته التاريخية من لحظة التأسيس، متبنيًا رواية تقول: إن بريطانيا سلمت السلطة للجبهة القومية دون تفويض شعبي شامل. وهنا يكمن قلب الإشكال: فشرعية التمثيل في لحظة التحرر الوطني لا تستمد من تفويض المستعمر، بل من الدماء التي أريقت في ساحات المقاومة، ومن الإجماع الشعبي الواسع الذي حظيت به الجبهة القومية كقائد للكفاح المسلح، كانت معها الجبهة القومية، بكل تياراتها، التجسيد السياسي والعسكري لإرادة شعب الجنوب في التحرر، وليس مجرد طرف تفاوضي مع المحتل. وكاتب المقال حاول أن يختزل هذه المرحلة المصيرية في أزمة تمثيل وهو بهذا يريد التشويه بمعنى الاستقلال ذاته، الذي كان انتصارًا لإرادة جماعية، عبّرت عنها قيادة موحدة في اللحظة الحاسمة.


أما حديثه عن إقصاء القوى التقليدية والسلطنات، فهو يريد يثور حوافظ المجتمع الجنوبي على أنها إرثها وخلفباتها التاريخية ويغفل حقيقة أن تلك الكيانات كانت في معظمها، جزءًا من البنية التي تعاطت مع الاستعمار ومجتمع الجنوب بإيجابية وسلبية، وأن بناء دولة وطنية حديثة تقدمية بعد الاستقلال اقتضى – كما في كل تجارب التحرر – إعادة هيكلة مؤسسات الدولة على أسس وطنية، لا استرضاءً لنخب مرتبطة بمرحلة ما قبل الدولة.


أما الحديث الذي حاول به الكاتب أن يصور به الصراعات الداخلية لبنى المجتمع الجنوبي راجعة إلى إرث عقدة التمثيل ويتجاوز أن الصراعات كانت على مشاريع وليست أزمة تمثيل كما يدعي.


ويحاول المقال تصوير الصراعات داخل الحزب الاشتراكي اليمني (1978-1986) على أنها دليل على عجز مزمن تعود إلى العقدة ذاتها أصبحت معها قيادة الحزب غير قادرة عن إنتاج تمثيل شرعي، متجاهلًا أن تلك الصراعات كانت، في جوهرها، صراعًا على رؤى ومشاريع سياسية واقتصادية مختلفة لإدارة الدولة الوليدة وعلاقاتها الإقليمية والدولية، في ظل ظروف الحرب الباردة والتعقيدات الإقليمية.


وهنا فالكاتب يجهل أن تلك الخلافات كانت داخل إطار سياسي موحد وليس متشظيًا بين قبائل وعشائر وتيارات دينية واجتماعية وايديولوجية، وليست نزاعات بين هويات جنوبية متصارعة كما هي في الشمال.


إن تحويل الكاتب الخلاف السياسي الطبيعي – وإن اتخذ أشكالًا دراماتيكية – إلى عقدة تمثيلية بنيوية يعد قفزًا على السياق التاريخي واختزال معقد لصراع الأفكار في إطار ضيق من الشرعية التمثيلية.


والأخطر من ذلك، المقارنة المعيبة بين طبيعة الصراع في الشمال والجنوب، حيث يُصور الصراع في الشمال على أنه نبيل من أجل الجمهورية والمساواة، بينما يُختزل في الجنوب إلى مجرد تنافع على السلطة مقابل الولاء. وهو بهذه الثنائية المضللة يتجاهل الطبيعة المعقدة للصراع في الشمال، والتي لم تكن حربًا بين الخير والشر، بل اشتملت على تداخلات قبلية وإقليمية، كما تتجاهل حقيقة أن المشروع الوطني الجنوبي، رغم كل خلافاته الداخلية، إلا أنه حافظ على إطار دولة مؤسساتية حديثة، وإن كانت بآليات حكم حزبية مركزية.


وحين وصل به الحديث عن الوحدة وما بعدها يفسر حق الجنوب الندي الذي طالب بصحيحه وفسره باغتيال الشراكة الا أنه أدى إلى تفجير المظلومية الجنوبية متجاهلًا بخبث ندية الشراكة أو الحق في المطالبة بفض الشراكة والعودة إلى دولته التي دخل بها قبل الوحدة.


ومن يقع المقال في تناقض صارخ عند مناقشة الوحدة؛ فهو من ناحية يقر بأن الحزب الاشتراكي اليمني – بقيادته التاريخية – هو الذي وقع اتفاقية الوحدة؛ بوصفه الممثل الشرعي لدولة الجنوب، ثم يتبنى لاحقًا الرواية التي تطعن في تفويضه، متسائلًا: هل كان مفوضًا من كل الجنوبيين؟. هذا السؤال نفسه، لو طُرح على أي اتفاقية وقعتها أي حكومة في العالم، لانهار منطق الدولة والسياسة. وكان الحزب الاشتراكي في تلك الفترة هو الحاكم الشرعي للجنوب، وبالتالي كان ممثله الطبيعي في أي مفاوضات مصيرية.


لكن المأساة الحقيقية لم تكمن في أزمة التمثيل في أثناء توقيع الوحدة، بل في اغتيال روح الشراكة التي قامت عليها الوحدة بعد عام 1990، وتحويلها من اتحاد بين شريكين متكافئين نديين إلى عملية استيعاب وتمدد وضم وإلحاق من دولة الشمال على الجنوب، عبر آليات الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية الممنهجة والحروب المتتالية حتى ولدت قضية شعب الجنوب الحديثة من رحم هذا الاغتيال للشراكة، وليس من رحم عقدة تمثيل سابقة. فالكاتب حين يُحشر الجنوبيون في خانة التابعين لنظام صنعاء أو غير المخولين، فإن ذلك يأتي كنتيجة طبيعية لسياسة استبعاد منهجية مارسها النظام المركزي الاحتلالي الشمالي، وليس بسبب نزعة جنوبية مزعومة نحو نزع الصفة التمثيلية التي يصفها بالظاهرة الانفصالية بقراءته الأيديولوجية بعكس قراءة شعب الجنوب وقيادته على أنها قضية شعب التي ترى أن يجب نيل قبول مطلب الجنوب الشرعي وبصورو عادلة يراها شعب الجنوب في استعادة دولته.


أما تفسيره ظهور مكونات الحراك والفقز إلى مشروع الانتقالي الجنوبي السياسي ويراه أنه تعبير عن سخط لا دليل على انقسام من وجهة نظر الهيمنة التي لا ترى في الجنوب على أنه تابع لا شريك ندي.


ويرصد المقال تعدد مكونات الحراك الجنوبي منذ 2007، وصولًا إلى ظهور المجلس الانتقالي الجنوبي والخلافات مع مكونات أخرى، ليستنتج أن العقدة ما زالت مستمرة. ولكن، هل يُعقل أن يُتوقع من حركة احتجاجية شعبية واسعة النطاق ضد سياسات ظالمة واستبدادية واحتلالية، أن تظهر موحدة القيادة والتمثيل منذ لحظتها الأولى؟ إن تعدد التيارات داخل أي حراك سياسي هو دليل على حيوية المجتمع وثرائه، وليس على عجزه عن التوحد. وهو يعلم أن الجنوبيين بالغالبية الساحقة موحدة بمصير استعادة دولة الجنوب، عبر تنوع قواهم، حول مطلب مركزي هو إنهاء الاحتلال والتبعية، وهذا هو جوهر الشرعية بالنسبة للجنوب.


أما محاولة ربط رفض بعض الجنوبيين للرئيس هادي – رغم كونه جنوبيًا – ويصفها بعقدة التمثيل، فهي مغالطة كبرى. فالرفض لم يكن لهوية الرجل، بل لسياساته التي رأى كثيرون أنها استمرار لنظام الحكم الشمالي المركزي الاحتلالي ذاته، ولم تُحقق الانتقال العادل نحو شراكة حقيقية أو تصحيحًا جذريًا للخلل في بنية الدولة الاستبدادية والهيمنة والتبعية. وبهذا فقد شارك مجاميع من الجنوبيين في الحوار الوطني الشامل في ظل رئاسة هادي وكانوا على أمل أن هاديًا ينظر إليه كرمز للأمل في التغيير، وعندما خاب هذا الأمل، كان النقد موجهًا لسياساته، لا لجنوبيته وفقدوا الامل كليًا وامنوا بأن استعادة دولة الجنوب هي الحل الواقعي.


ويصل المقال إلى ذروة اختزاله عندما يعزو أزمة التمثيل إلى التركيب الفسيفسائي للمجتمع الجنوبي وتاريخه المكون من سلطنات متعددة. وهذه الحجة، التي ترددها أدبيات بعض مراكز القوى اليمنية الشمالية والإقليمية، تُقدم قراءة استشراقية مجتزأة، تختزل مجتمعًا معقدًا إلى تراكمات قبلية وجغرافية جامدة، متجاهلة أكثر من نصف قرن من بناء الدولة الوطنية، وتشكيل الهوية الجنوبية الجامعة، وتجذير الانتماء إلى كيان سياسي موحد اسمه جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

إن تنوع الجنوب هو مصدر قوته وثرائه، وليس لعنته لكن المشكلة ليست في التنوع ذاته، بل في محاولات القوى الخارجية واليمنية الشمالية، أو النخب الجنوبية المتواطئة، استغلال هذا التنوع وتأجيجه لتعطيل إرادة الجنوبيين الجامعة وإفشال أي محاولة لبناء تمثيل شرعي في استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة.


ويمكن أن نستنتج مما سبق إن الحديث عن عقدة تمثيل في الجنوب هو، في كثير من جوانبه، خطاب مُصنَّع يخدم أجندات القوى الشمالية بمختلف توجهاتها الايديولوجية والحزبية والقبلية، التي تهدف إلى إبقاء الجنوب في حالة من التفتت تُسهل إدارته من الخارج، أو تُبرئ النظام المركزي السابق من جرائم الإقصاء والتمييز والاحتلال والاستبداد.


إن التحدي الحقيقي للجنوب لا يتمثل في البحث عن توافقية القوى الجنوبية في فترة النضال والكفاح والتضحية بل البحث عن ممثل شرعي واحد يُفرض لتلتف حوله الشعب حتى نيل الدولة، وبعد الحصول على الدولة يمكن الخضوع إلى الآليات الديمقراطية التوافقية، لتمنح تنوع الجنوب مساحة كبيرة للاستحقاقات وتعمل على صهر إرادته في مشروع سياسي جامع، قادر على التفاوض حتى تقرير المصير، وبناء على إرادة شعبية حرة تناضل على تحقيق تطلعاتها في استعادة الدولة.


أما الحديث عن المؤتمر الجنوبي/الجنوبي، إذا أريد له النجاح، يجب أن يكون فضاءً لصناعة هذه الإرادة الجامعة عبر حوار حر ونزيه يجب أن تحضره رموز المشروع الجنوبي التي ناضلت وضحت، ويجب أن يرسم على. معايير واضحة ترجع إلى الشعب من يقررها ويكون هذا الحوار بعيد عن ترسيم الانقسامات أو تزكية وصاية طرف على آخر . آن الأوان للتوقف عن استسهال اتهام الجنوبيين بـعقدة التمثيل، والبدء بجدية في معالجة عقدة الاحتلال والاستبداد والهيمنة التاريخية التي بسببها تعرض الجنوب لكل هذا المعاناة والرفض لكل من يذكره بالوحدة، فالشعوب التي تدفع ثمن وحدة لم تحترم فيها شراكتها ونديتها، وتحمل وزر أخطاء لم تصنعها، لها الحق الكامل في أن تبحث عن تمثيل يحفظ كرامتها ويحقق طموحها، بصرف النظر عن التعدد الذي قد يظهر في سبل بحثها عن هذا التمثيل الحقيقي الذي يسعى إلى تحقيق تطلعات الشعب شعب في استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة.