آخر تحديث :الخميس - 12 مارس 2026 - 01:18 ص

كتابات


وهم التواصل الاجتماعي

الأربعاء - 11 مارس 2026 - 11:37 م بتوقيت عدن

وهم التواصل الاجتماعي

كتب/وكيل اول العاصمة عدن محمد شاذلي


في السنوات الأخيرة تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى مصدرٍ رئيسي للأخبار والمعلومات لدى قطاع واسع من الناس، بل إن البعض بات يتعامل معها وكأنها الحقيقة المطلقة التي لا يأتيها الباطل. غير أن الواقع يكشف أن كثيراً مما يُنشر فيها لا يعدو كونه تسريبات غير موثقة، أو شائعات، أو تحليلات مبنية على الظن والتخمين، الأمر الذي يخلق حالة من الوهم الجماعي والاضطراب في فهم الأحداث.


إن سرعة انتشار المعلومة عبر هذه المنصات جعلت من السهل جداً تداول الأخبار دون تمحيص أو تحقق. فبمجرد كتابة منشور أو نشر تسجيل أو صورة، يبدأ سيل من المشاركات والتعليقات، فيتحول الخبر – حتى لو كان كاذباً – إلى “حقيقة” في نظر كثير من المتابعين. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يصبح الرأي العام أسيراً لما يُكتب في فضاءٍ لا تحكمه في كثير من الأحيان قواعد المصداقية أو المسؤولية.


ولعل ما يزيد المشكلة تعقيداً أن بعض الحسابات تتعمد صناعة الإثارة وبث القلق لتحقيق الانتشار وجذب المتابعين، فتُضخّم الأحداث أو تختلقها من الأساس، بينما يتلقفها الناس بدافع الفضول أو القلق، فتتسع دائرة الشائعة وتتحول إلى مصدر توتر واحتقان داخل المجتمع.


إن الاعتماد المفرط على وسائل التواصل كمصدر وحيد للمعلومات يخلق حالة من الصراع النفسي والارتباك لدى الناس، حيث تتضارب الروايات وتكثر التحليلات المتناقضة، فيعيش المتابع بين الخوف والشك والضيق دون أن يمتلك حقيقة واضحة عمّا يجري.


ومن هنا تبرز الحاجة إلى قدرٍ أكبر من الوعي والمسؤولية. فليس كل ما يُنشر صحيحاً، وليس كل من يكتب يمتلك المعلومة الدقيقة. إن التحقق من المصادر، والعودة إلى الجهات الرسمية أو وسائل الإعلام المهنية، والتعامل مع الأخبار بعقلٍ ناقد، كلها خطوات ضرورية لحماية المجتمع من الوقوع في فخ الشائعات.


لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أداةً مؤثرة في تشكيل الوعي العام، ويمكن أن تكون وسيلة إيجابية لنشر المعرفة والتواصل البنّاء، لكنها في المقابل قد تتحول إلى مصدرٍ للفوضى الفكرية إذا غابت عنها المسؤولية والوعي.


وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الناس أنفسهم؛ فالمجتمع الذي يتحقق قبل أن يصدق، ويفكر قبل أن ينشر، هو مجتمع قادر على حماية نفسه من وهم الشائعات وضجيج الأخبار الزائفة.


الكاتب

محمد نصر شاذلي

وكيل أول العاصمة عدن