في تهويلٍ كبير، بالغت الصحافة الدولية في الحديث عن إطلاق جماعة الحوثي صاروخًا باليستيًا، وأتبعته بطائرة مسيّرة صوب إسرائيل، باعتباره انضمام الحوثيين إلى إسناد إيران في الحرب التي مرّ على انطلاقها 30 يومًا.
عملياتيًا، لم يحقق الهجوم الحوثي تغييرًا في مجرى العمليات العسكرية، وكما كانت التقييمات قبل انضمام جماعة الحوثي إلى الحرب، ظلّت هي ذاتها بعد انضمامهم، بعيدًا عن التهويل الإعلامي، وتحديدًا في القنوات الإخبارية الموالية لإيران.
قد يكون لدى جماعة الحوثي القدرة على توجيه صواريخهم صوب إسرائيل، لكنهم غير قادرين على التأثير العملياتي؛ فقدرتهم على إغلاق باب المندب تبقى محدودة، ولا يملكون إلا الدفع بالألغام البحرية، وهي عملية ستكلفهم ضربات قاسية، كما تلقتها إيران في الثمانينيات من القرن الماضي عندما حاولت إغلاق مضيق هرمز إبان الحرب مع العراق، وقامت بزرع ألغام في الخليج العربي، مما دفع الولايات المتحدة لشن ما سُمّي آنذاك بـ"حرب الناقلات".
لذلك سيبقى التأثير الحوثي في دائرة الضجيج الإعلامي دون التأثير العملياتي في مسار الحرب، لأن ما يملكه الحوثي ليس أكثر من أدوات إزعاج، لا أدوات، فالفارق بين من يطلق صاروخًا عابرًا ومن يغيّر ميزان القوة على الأرض هو فارق بين استعراض سياسي وقدرة عسكرية حقيقية.
الحوثي يدرك حدوده جيدًا، كما تدركها طهران، فالمعركة الجارية ليست ساحة مفتوحة لكل الوكلاء، بل حرب تضرب في عمق البنية العسكرية الإيرانية نفسها، ما يجعل أذرعها في موقع الدفاع لا المبادرة، ومن هنا، فإن أي تصعيد حوثي خارج سقف محسوب قد يتحول من ورقة ضغط إلى عبء استراتيجي على المشروع الإيراني برمّته.
كما أن الجغرافيا تفرض قيودها فباب المندب ليس مضيقًا يمكن العبث به دون كلفة دولية فورية، والتجربة أثبتت أن أي تهديد جدي للملاحة الدولية يستدعي ردًا مباشرًا من القوى الكبرى، وهو ما لا يستطيع الحوثي تحمّله في ظل هشاشة بنيته العسكرية واعتماده شبه الكامل على الدعم الخارجي.
الأهم من ذلك، أن الحوثي اليوم ليس في وضع يسمح له بالمغامرة، فهو انتقل، منذ 2023، من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق الاستثمار السياسي في التهدئة، محاولًا تثبيت مكاسب داخلية عبر التفاوض لا عبر التصعيد، وأي انزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة سيعيده إلى نقطة الصفر، ويهدد ما حققه من حضور سياسي بالقوة.
لهذا، فإن ما نشهده ليس دخولًا حقيقيًا للحوثي في الحرب، بل محاولة لحجز مقعد رمزي في مشهد إقليمي يتشكل من دونهم. إطلاق صاروخ هنا أو طائرة مسيّرة هناك لا يعني تحولًا استراتيجيًا، بل رسالة سياسية محدودة السقف، موجهة أكثر إلى الداخل وإلى طهران، لا إلى ميدان المعركة الفعلي.
الحوثيون يكررون نمطًا بات مألوفًا ضجيج مرتفع، وأثر محدود. حضور إعلامي يتجاوز بكثير وزنهم الحقيقي في معادلة الصراع، إنها، ببساطة، حالة نموذجية لـ"الطحن بلا عجين"، حيث يعلو الصوت، لكن الميدان يبقى على حاله.
هاني سالم مسهور