آخر تحديث :الخميس - 14 مايو 2026 - 11:58 م

كتابات واقلام


باب المندب بين السيادة والجغرافيا

الخميس - 14 مايو 2026 - الساعة 11:39 م

عبدالكريم احمد سعيد
بقلم: عبدالكريم احمد سعيد - ارشيف الكاتب


لم يكن مضيق باب المندب يوماً فراغاً جغرافياً أو ساحة بلا هوية سياسية حتى يعاد تعريفه وفق مقاربات إعلامية تتجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا والسيادة كما جاء في مقال الأمير د. ماجد بن تامر أل سعود بعنوان: (باب المندب بوابة التجارة العالمية ومسؤولية السعودية حمايتها).

فالمضيق، الممتد بين سواحل الجنوب العربي والقرن الإفريقي، ظل عبر مختلف المراحل التاريخية جزءاً من المجال الجغرافي والسيادي لجنوب اليمن، بحكم الموقع والتاريخ والامتداد الطبيعي، وليس مجرد ممر دولي مفتوح لمن يريد توظيفه ضمن سرديات سياسية تخدم مصالح آنية أو مشاريع نفوذ إقليمية.

إن محاولة تصوير باب المندب وخليج عدن وكأنهما مجال أمني أو استراتيجي منفصل عن الجغرافيا الجنوبية، أو الإيحاء بأن مسؤولية تقرير مصيرهما ومستقبلهما يمكن أن تنتزع من أبناء الجنوب لصالح قوى أخرى، يمثل تجاوزاً لحقائق ثابتة لا يمكن القفز عليها مهما اختلفت موازين القوى أو تبدلت التحالفات. فهذه الممرات البحرية تقع ضمن الخارطة الجغرافية والسياسية لجنوب اليمن، وكانت تاريخيًا جزءاً من الدولة الجنوبية قبل وحدة عام 1990، كما أن المجتمع الجنوبي ظل يعتبر حماية هذه الممرات مسؤولية سيادية مرتبطة بأمنه القومي ومكانته الاستراتيجية.

لا أحد ينكر أهمية الدور الإقليمي والدولي في حماية أمن الملاحة الدولية، ولا يمكن التقليل من أهمية المملكة العربية السعودية كقوة إقليمية مؤثرة تمتلك مصالح مشروعة مرتبطة بأمن البحر الأحمر وخطوط الطاقة والتجارة العالمية. غير أن الفرق كبير بين التعاون لحماية الملاحة الدولية، وبين محاولة تكريس خطاب يوحي بأن الجغرافيا الجنوبية مجرد هامش تابع لمنظومات النفوذ الإقليمي. فالقانون الدولي نفسه يميز بين حق المجتمع الدولي في ضمان حرية الملاحة، وبين سيادة الشعوب والدول المطلة على الممرات البحرية الواقعة ضمن نطاقها الجغرافي.

إن أمن باب المندب لا يمكن أن يتحقق عبر تجاوز القوى المحلية الحقيقية أو تهميش أصحاب الأرض، لأن أي معادلة أمنية لا تنطلق من الاعتراف بالجنوب كفاعل أساسي في هذه المنطقة ستظل معادلة ناقصة وقابلة للاهتزاز. فالجنوب ليس مجرد شريط ساحلي يطل على الممرات الدولية، بل هو العمق الجغرافي والسياسي الذي يشكل الضامن الطبيعي لاستقرار خليج عدن وباب المندب والبحر العربي. ومن يتجاهل هذه الحقيقة إنما يكرر أخطاء القوى التي اعتقدت أن بإمكانها إدارة المنطقة بعقلية الوصاية أو النفوذ العابر.
كما أن اختزال التهديدات البحرية في قضية “المليشيات” فقط، دون التوقف أمام جذور الأزمة السياسية في اليمن والمنطقة، يمثل قراءة انتقائية للمشهد. فحالة الانهيار التي شهدتها البلاد منذ عقود لم تكن نتيجة فراغ أمني فقط، بل نتيجة تراكمات سياسية وصراعات نفوذ ومحاولات فرض هيمنة على الجنوب وثرواته وموقعه الاستراتيجي. ومن هنا فإن أي رؤية جادة لحماية الملاحة الدولية ينبغي أن تبدأ بمعالجة قضية شعب الجنوب باعتبارها مفتاحاً رئيسياً للاستقرار، لا يمكن تجاوزه.

إن الجنوبيين، الذين قدموا تضحيات كبيرة دفاعاً عن أرضهم وسواحلهم، يدركون تماماً أهمية باب المندب وخليج عدن للاقتصاد العالمي، وهم ليسوا ضد الشراكات الإقليمية أو التعاون الدولي في حماية هذا الممر الحيوي، بل على العكس، ينظرون إلى الأمن البحري باعتباره مسؤولية مشتركة تقوم على الاحترام المتبادل للمصالح والسيادة. غير أن هذا التعاون يجب أن يبنى على قاعدة الشراكة لا التبعية، وعلى الاعتراف بالدور الجنوبي لا مصادرته أو الالتفاف عليه بخطابات سياسية مغلفة بمفاهيم الأمن الإقليمي.

إن تصوير السعودية وكأنها صاحبة الحق الحصري أو الطبيعي في إدارة باب المندب يتجاهل حقيقة أن هذا المضيق ظل مرتبطاً عبر التاريخ بالإرادة السياسية لأبناء الجنوب العربي، وأن أي دور إقليمي مهما كانت أهميته لا يمكن أن يتحول إلى بديل عن أصحاب الأرض والسيادة. فالدول الكبرى نفسها، حين تتعامل مع الممرات الدولية الحساسة، تدرك أن استدامة الأمن لا تفرض بالقوة فقط، بل تبنى عبر تفاهمات سياسية تحترم الجغرافيا والهوية والمصالح الوطنية للشعوب الواقعة على تلك الممرات.

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج خرائط النفوذ تحت عناوين جديدة، بل بناء رؤية إقليمية متوازنة تعترف بأن جنوب اليمن يمثل حجر الزاوية في أمن باب المندب وخليج عدن، وأن أي ترتيبات مستقبلية تخص هذه المنطقة لا يمكن أن تنجح دون حضور جنوبي فاعل ومؤثر كشريك كامل السيادة والقرار.
فباب المندب ليس مجرد معبر بحري في حسابات القوى الدولية، بل جزء من هوية الجنوب العربي ومجاله السيادي والتاريخي، وأمنه الحقيقي يبدأ من احترام هذه الحقيقة، لا من محاولة تذويبها داخل خطابات سياسية تتجاهل أصحاب الأرض لصالح مشاريع الهيمنة وإعادة تشكيل النفوذ في المنطقة.

عبدالكريم أحمد سعيد