آخر تحديث :الإثنين - 06 أبريل 2026 - 03:56 م

ثقافة - أدب - فن


البحاح وأشياؤه المسكونان ببعضهما

الإثنين - 06 أبريل 2026 - 02:12 م بتوقيت عدن

البحاح وأشياؤه المسكونان ببعضهما

بسام الحروري

لم ألتقِ بالأديب والصحافي المخضرم الأستاذ محمد عمر بحاح على وجه الواقع، لكن معرفتي به امتدت من خلال مراسلتنا والمحادثات عبر العالم الافتراضي منذ فترة ليست بالقليلة, بحكم مكوثه بالقاهرة، و سبق أن اتفقنا أن نلتقي هناك ليهديني كتابه الموسوم بـ (أشيائي) و مؤلفاته الأخرى، في أثناء رحلتي إلى المملكة المغربية مرورًا بقاهرة المعز لحضور مراسم التكريم في المسابقة الدولية للشعر و القصة، التي رعاها الاتحاد الأوروبي و حزت فيها المركز الأول في مجال الشعر، من بين 352 مشاركًا/ة من دول شتى، لكن جرت الرياح بما لا تشتهيه سفينتنا، فأرسل لي كتابه "أشيائي" بملف إلكتروني، و تصفحته بلهفة،


حمل الكتاب في طياته قصصًا إنسانية واقعية عاشها البحاح في سني طفولته، في مسقط رأسه بديس حضرموت الشرقية، و غيرها من الأمكنة، و كان بطل أغلب وقائعها إلى جانبه والده رحمه الله، من خلال المواقف الصغيرة و الكبيرة، التي حوت بداخلها قيمًا و مواقف إنسانية نبيلة و شجاعة،


ينتمي الكتاب لـ جنس السير الذاتية و المذكرات، تتصدر صفحة غلافه صورة الكاتب يضع قبضته على خده، تكسو محياه ابتسامة عريضة وهو يتأمل طيوف أشيائه الحبيبات،


و الكتاب من إصدار مؤسسة أروقة للدارسات و الترجمة و النشر، و تعترضك في أثناء فتح الكتاب مقولة بديعة مخاتلة و مدورة اختيرت بعناية لتمهد لفحوى الكتاب، للشاعر و المترجم الألماني يواخيم سارتوريس : "الذاكرة هي كل ماتبقى لنا من النسيان، و الكتابة هي كل ماتبقى لنا من الذاكرة "

هذا إلى جانب الإهداء و التصدير الأنيق الذي خطه الإعلامي المخضرم الأستاذ ناصر محفوظ بحاح أمد الله في عمره و متعه بالعافية و الصحة


هكذا يطل علينا بحاح داسًّا مصباح الحكايا السحري، الذي يسمى - مجازًا - الذاكرة بين ثنايا صفحات "أشيائه"، عابقًا بالحكايا الممزوجة بعبير البوح و هو ساحر في السرد، يفركه بيراعه، بصوره واخيلته ليأخذك إلى ضفاف عوالمه مسكونًا بالبحر و مسكون به، برائحته و نسماته و نوارسه، و أهازيج الصيادين، و همسات حورياته،

يرصد سرده بسلاسة شاعرية من خلال الثالوث الأيقوني ؛ الإنسان و الموقف، و المكان، و يغزل بها وحولها نول الحكاية، و هو فنان تمتح صوره من مسامات السرد الآسرة ببريقها الذي لا يخبو،و الممتد عبر خيوط الذكرى،وامضًا بخلاصة التجارب و الأسئلة و المصير ،


فكما يفعل فنان تشكيلي مع لوحته يفعل البحاح الأمر ذاته مع صوره السردية حين يسطرها و يؤطرها بيراعه، ببراعة فذة، ثم يقف غير بعيد من ثنايا الذاكرة يتأملها، يقترب/ يبتعد منها، ذارعًا كل الزوايا أمامها و حولها، ليعقد حاجبيه و يستل ريشة من أوردة القلب، ليغمسها في صفحة تعج بألوان الطيف الوامض على صحن المخيال،

يحمله بيده هكذا، و يرفع الريشة ثم يمارس التجريب متوسلًا غيمات شفيفة من عوالم السريالية،

و هو يستحضر الواقع بكل تجلياته سردًا، لكنه لايلبث أن يستدعي الشاعر القابع في لا وعيه، نعم ثمة شاعر مهمته تنضيد الرؤى و الأخيلة بطيف مستعار، قبل أن يعود لقمقمه بعد إتمام المهمة بنجاح،


هكذا يكتب البحاح نصوصه بحبر مضمخ ببهار النوستالاجيا و هو كائن نوستالاجي بامتياز، إذ تفصح عن ذلك نصوصه المسافرة من أفق (ديسشرقيته) إلى حيث قادته الحياة، مشرّقة أحيانا و مغرّبة أحايين كثيرة إلى آفاق و أمكنة شتى


يحتفظ الرجل بطفولته في علب ملونة، و يلعب الغميضة مع طيوف راقصة تنداح من عطر الملكات المشقاصيات،

و بشقاء طفولي يطوّق خصر إحداهن، و يمارس فن الحياة باجتراح (الهبيش)، فيهبش ما استطاع له أن يهبش حد الذوبان، تناغية هسهسات خلاخيلهن المبتهجة، فيما يبحث عنه والده بين انزياح المدارات وفيوضها


، و هكذا تنداح المدارات المشترحة لتتسع لعوالم بحاح، و هو يزوّغها و يرتب فصولها بحسب أبجدية طيوفه، و أمكنته، و تعاليم أبيه غير المباشرة عبر مدارج السرد، يتهجاها بكل ما أوتي من حب، و حياة، و طفولة تضارع الستين،


و يبرع البحاح في أنسنة الأمكنة،و الأشياء، فمن الديس الشرقية، و غيل باوزير إلى الشيخ عثمان، فشرمة،

و بينهما الكثير الكثير من الأمكنة و الأشياء، يجنح "صاحب الأشياء الحميمات" إلى أنسنة تلك الأمكنة، و هي موهبة و فرادة لا يؤتاها كثير من السُرّاد إلى جانب الشعراء،

فكما أنسن نزار في شعره عبق المكان في مدخل حمراء الأندلس، و استحضر القوم من الفاتحين تجر خيولهم مواكب ملوك الطوائف ليؤنس وحشة المكان، وتصالح دنقل مع مرضه و أنسنه، و هزم درويش الموت في منافسة غير متكافئة بعد أن أنسنه أيضًا

فعل البحاح الشيء ذاته مع أشيائه و أمكنته، وهي أنسنة مسالمة، تقرأ الأمكنة والأشياء بمنطق بحاح الطفل، ليشاركه بين الفينة والأخرى هذه القراءة والتأمل بحاح الستيني طالعا من ما وراء سطور القص ليجيب على بعض تساؤلات صنوه الطفل، و يترك بعضها مشرعة للقارئ كنهاية فيلم مفتوحة ليشركه في لعبة السرد والاحتمالات،

و لم ينقل لنا شعوره الطفولي فحسب، بل قلب المعادلة الفيزيائية إلى صوفية، مختصرًا في ذلك المسافات و الأزمنة و الأمكنة، فنقلنا إليها و نقلها إلينا، و التصق بها حد اشتعال الروح و انبثاقها، حاور الطبيعة و جاور أرواح الأسلاف، و أسلاف الأسلاف الحائمة، و أطلق الأسئلة الطفولية و الكبرى تترى، و تشهر علامات استفهامها أمام تلافيف ذاكرتنا كصولجانات مهيبة، تقتحم أفئدتنا دون (إحم ولادستور)، تاركًا القارئ ينساب مرتحلًا على بساط المعنى، متسلحًا بفضول طفولي، يتجول في (مطاريق) الغرابة،و مساحات التأمل،

و فضاءات الدهشة،و هي دهشة بحجم مخيال البحاح

و أشيائه .