يظل الثابتون على المبدأ، والمحافظون على الثوابت والمكتسبات الوطنية، في أي زمان ومكان، هم الشمعات المضيئة في سماء المشاريع التحررية. وهم الذين يسكنون قلوب جماهيرهم حضورًا، ويغدون رموزًا يصعب إسقاطها لوفائها وإخلاصها، ويخلدهم التاريخ في سجلات الأسماء العظيمة لتقرأهم الأجيال المتعاقبة جيلًا بعد جيل.
أما أولئك الذين يبحثون عن سلطة زائلة، وكراسي تهتز قوائمها تحت وطأة التنازلات والمساومات، فما إن تعصف بالمشاريع السياسية رياح المتغيرات، وما إن تواجهها أبسط التحديات، حتى يتهاووا كأوراق الخريف في التخلي عن القضايا التي كانوا يوهمون بها الشعب أنهم قادتها ورجالها وحماتها. ولأبسط هزة تراهم ينقلبون على أعقابهم، ويتحولون إلى أدوات رخيصة في أيدي من وهبهم السلطة والجاه، يحاربون بها كل شريف غيور وثابت على الموقف والمبدأ، ويستهدفون بها كل وطني لا يرضى بالمساومة على مشروعه السياسي وعدالة قضيته والثوابت والمكتسبات الوطنية.
وفي هذا المقام يقف الشعب في الجنوب المؤمن باستعادة دولة الجنوب المستقلة متأملًا في هذا المشهد العبثي، متسائلًا عن أولئك الذين كانوا بالأمس القريب يهتفون في الشوارع والساحات: �يا عيدروس أعلنها دولة�، وأولئك الذين كانوا ضمن الوفد الجنوبي في اتفاق الرياض بصفتهم ممثلين عن إرادة شعب وقضية تحرر لا يمكن المساس بها أو التنازل عنها. فما إن عصفت رياح القرصنة السياسية السعودية بالمجلس الانتقالي الجنوبي وقيادته وضرب قواته ومحاولات تفكيكها، وما إن اشتدت ضغوط الوصاية ومحاولات الاحتواء والترويض، إلا وانقلب أولئك القادة إلى أدوات وظيفية رخيصة، تدور في فلك سلطة العليمي والوصاية السعودية، تستجيب للأوامر والإملاءات دون نقاش، وتنفذ المخططات الكيدية دون تردد، وتصدر البلاغات ضد كل مستمسك بمشروعه ومحافظ على مقدراته السياسية.
واليوم، يخرج علينا هؤلاء بإجراءاتهم البائسة، يستهدفون رموز قادتنا الميدانيين بأوامر كيدية مسقطة، ويحاولون وأد أصوات الحق والثبات تحت ذرائع واهية كالقول بنشر الفوضى والتحريض. وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة الحقيقة المرة: يا سلطة الأمر الواقع التي تحكم من خلف ستار الوصاية السعودية، متى كان الدفاع عن المشروع الجنوبي التحرري دعوة للتحريض ونشر الفوضى وإقلاق السكينة؟ متى بات التمسك بالثوابت الوطنية والمكتسبات التي ضحى من أجلها الشهداء جرما يعاقب عليه القانون؟
ألا تستحون؟ ألا تخجلون من أنفسكم وأنتم تعلمون يقينًا أنكم ما وصلتم إلى هذه المناصب التي تتبخترون بها اليوم وتصدرون عبرها الأوامر الكيدية إلا بفضل ذلك المشروع الجنوبي التحرري، وبفضل دماء الشهداء وتضحيات المناضلين الذين مهدوا لكم الطريق؟ وإلا فانظروا إلى مناصبكم، وإلى كفاءتكم الحقيقية المجردة من صفاتكم الممنوحة، واسألوا أنفسكم بصدق: ماذا قدمتم إلى الآن لمحافظات الجنوب من خدمات ورواتب للموظفين؟ وأين الكهرباء التي قلتم إنها سوف تصل إلى عشرين ساعة حسب تغريدات الوصي الشهراني في منصة إكس قبل أشهر؟ وأين الرواتب التي قلتم إنها ستكون منتظمة كل شهر والناس إلى الآن يكتوون بغياب هذا الفتات؟ فلا تهربوا من تلك الالتزامات إلى إصدار مذكرات أوامر كيدية ضد قيادتنا الميدانية.
وسيظل المجلس الانتقالي الجنوبي هو الحامل السياسي لمشروع استعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة، وسيظل الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي هو الرمز الوطني الجامع والمفوض الحقيقي من الشعب الجنوبي، تلك الرمزية التي لا يحق لأي وصاية مهما علا شأنها أن تنتزعها أو تجردها من شرعيتها، فتفويض القيادة وهبها لا ينتزعه إلا من منحها ألا وهو الشعب ذاته.
فهل فيكم من عاقل يراجع نفسه ويثوب إلى رشده؟ هل فيكم من يدرك خطورة العبث بالثوابت والمكتسبات الوطنية، وخطورة الانجرار وراء الأجندات الكيدية التي لا تخدم إلا أعداء المشروع الجنوبي التحرري؟ إننا نناشد كل غيور على هذا الجنوب أن يرفع صوته رافضًا هذه الأوامر الكيدية الصادرة بحق القائد الصنديد وضاح نصر الحالمي ورفاقه الأبطال، أولئك الذين لم يلوثهم دنس المساومة ولا التنازل عن المشروع مقابل السلطة، ولم ترهبهم تهديدات المحاصصة والعزل.
وإلا فلتتحمل سلطة الأمر الواقع في عدن كامل مسؤوليتها السياسية والتاريخية والأخلاقية حيال ما يتعرض له هؤلاء المناضلون الأحرار وما سينجر عن ذلك من تداعيات خطيرة تهدد النسيج الوطني للجنوب، وتعبث بأمنه واستقراره في لحظة فارقة من تاريخه المصيري. فالتاريخ لا يرحم أولئك الذين يبيعون قضايا شعبهم وعدالة قضيتهم في سوق النفوذ والسلطة الزائلة، كما أنه لا يجامل أولئك الذين يزورون سجلات النضال بالسلطة، فالشعب لم ولن يسكت عن أي مساس بقيادات المجلس الانتقالي ولا مقراته مهما كانت الظروف.