المرحلة الأولى: حوار جنوبي جنوبي حتى الاتفاق على رؤية موحدة.
المرحلة الثانية: حوار جنوبي شمالي داخل معكسر الشرعية من أجل تبني مخرجات الحوار الأول رسمياً.
المرحلة الثالثة: حوار بين الشرعية والحوثيين، تقدم فيها الشرعية رؤيتها لحل قضية الجنوب.
يعني لو تفائلنا بنجاح المرحلة الأولى وخروج مؤتمر الحوار الجنوبي الجنوبي بإجماع ورؤية موحدة. أقصى شي ممكن يوصلون له هو دعم استفتاء جنوبي، لكن تبني نفس مخرجات الحوار الوطني في صنعاء (مشروع الأقاليم) يبدو من الآن النتيجة المتوقعة للحوار.
طيب نفرض حصلنا على استفتاء في المرحلة الأولى، جيد ونتيجة مبهرة، لكنها ليست ملزمة. ولا شيء حقيقة يبشر أو يضمن أن المرحلة الثانية وإقناع الأطراف الأخرى وأحزاب الوحدة سوف تنجح. فهم يراهنون على حسمها داخل الحوار الجنوبي عبر أتباعهم الجنوبيين المنظمين الجاهزين أمام وفد المجلس الانتقالي الذي حل نفسه وفقد إطاره التنظيمي، ناهيك عن مؤشرات تفككه وانقسامه التي تتكشف باستمرار.
بس خلونا نكون متفائلين أكثر عشان اليوم عندي طاقة إيجابية غير معهودة. لقد نجح الجنوبيون في تجاوز المرحلة الأولى بنجاح والاتفاق على الاستفتاء وتقرير المصير، ثم بصعوبة بالغة نجحوا في تثبيت المقترح رسمياً ضمن الأجندة التفاوضية لمعسكر الشرعية.
الآن أمامنا مليشيا الحوثيين، وهنا التفاؤل يصبح غباء في الحقيقة. لأنه من غير المتوقع إطلاقاً أن يوافق الحوثيون على أي صيغة من هذا القبيل، فضلاً عن أنهم لديهم مسار تفاوض وتفاهم خاص مع المملكة العربية السعودية صمد في وجه تحولات إقليمية عاصفة ويمضي اليوم مرة أخرى إلى الأمام. وقد أظهروا احتقارا للأطراف اليمنية التي لم تشارك في نقاشات الأردن الأخيرة واعتبروها مجرد أدوات بيد السعودية.
وخلال المرحلة الأولى والثانية والثالثة، سيكون الكثير من الوقت قد مضى. وربما ستكون الترتيبات على الأرض قد اكتملت لجعل مشروع استقلال الجنوب بلا مخالب ولا أنياب، سلق منظم للمشهد الأمني والعسكري على نادر هادئة وأحياناً جامحة، مما يؤدي لتراجع أهمية وثقل الجنوبيين وفي مقدمتهم وفد الانتقالي بشكل خاص، و الجنوبيين بشكل عام.
طبعاً كل هذه الافتراضات والسيناريوهات على اعتبار أن مؤتمر الحوار الجنوبي نجح، وأن المساعي جادة، وأنهم خرجوا باتفاق بشأن الاستفتاء وحق تقرير المصير. لأن أي شيء أقل من هذا المخرج سيؤدي إلى اضطرابات وثورة داخلية بكل معنى الكلمة. ولن تكون هناك حاجة أساساً لمناقشة المخرج الأخر لا مع الأطراف الأخرى في معسكر الشرعية ولا مع الحوثيين.
وهنا تبرز معضلة مقلقة للغاية يرميها الكثير وراء ظهره ويتجاهلها ويخاف حتى من التفكير بها: ماذا لو ذهبت الأمور نحو السيناريو الأسوأ مثل فشل الحوار وانهياره لأي أسباب، أو خروجه بحلول ومقترحات لا تلبي الحد الأدنى من تطلعات الجنوبيين؟
من يستطيع قيادة عمل سياسي وجماهيري وحتى عسكري مضاد لرفض هذه المخرجات وإفشال فرضها بالقوة؟
لا يبدو أمامي حقيقة حتى الآن سوى المجلس الانتقالي الجنوبي. فهو سيكون في حل من أي التزامات أو مخرجات. وإذا لم يكن المجلس الانتقالي سوف يصعد تيار جديد من داخل الشارع الجنوبي فحركة الثورات عبر التاريخ أكدت أن الشعوب تعيد إنتاج نفسها وتأطير نضالها في كل مرة مهما فشلت النخب أو الكيانات، والسؤال عندها من سوف يستثمر هذا التيار الجديد الذي سيكون ثوريا وغاضبا بكل تأكيد؟ أي قوة إقليمية أو دولية؟ هل ستصحو السعودية على قوة راديكالية جديدة في جنوب اليمن تؤمن فقط بالعمل الثوري بكل أوجهه، إلى جانب الحوثيين في شمال اليمن؟
لماذا نسأل هذه الأسئلة؟ لأن السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر كان قد قال ذات مرة في تلقاء متلفز - لا أذكر أي شهر وقناة بالضبط - أن قضية الجنوب حية وعادلة ويمثلها اليوم داخل المجلس الرئاسي المجلس الانتقالي الجنوبي.
يعني أن المجلس كان يحتكر هذا التمثيل، وبقدر ما تبدو مفردة احتكار سلبية، إلا أن الاحتكار أحياناً للقوة العسكرية أو التمثيل السياسي لقضية أو ثورة أو شعب، قد يكون أفضل بكثير من الانقسام والتشظي وتشتيت الإجماع حول هذه المسألة.
يعني في عهد الانتقالي ببساطة لم تكن هناك حاجة لحوار جنوبي جنوبي في الرياض، كل ما كان يتطلب الأمر مواصلة الحوار الوطني الجنوبي الذي يرعاه المجلس وحقق شوطا فيه، على أساسات مشتركة يفترض ألا يعارضها أي جنوبي وفي مقدمتها الاستفتاء وحق تقرير المصير ليقرر الشعب مستقبله بنفسه.
يعني كان هذا المقترح أساساً موجود ومعلن من قبل ولا يحتاج لحوار، وكان المجلس الانتقالي قوة عسكرية وأمنية وسياسية منظمة قادرة على العبور به بأمان نسبي نحو المفاوضات سواء في إطار أطراف الشرعية أو المفاوضات الشاملة مع الحوثيين. وقد استطاع بالفعل انتزاع إطار تفاوضي خاص لهذه القضية في مشاورات الرياض 2022 كما نص البيان الختامي، لحمايتها من الذوبان والتيه في الملفات التفاوضية الأخرى.