في خضمِّ الحربِ المستعرة، لا تبدو المعاركُ دائمًا بصوتِ الرصاص؛ فبعضُها يُدارُ بهدوءٍ عبر أدواتٍ ناعمة، يُرادُ من خلالها إعادةُ تشكيلِ الوعي، وتخفيفُ حدّةِ الموقفِ الشعبيِّ تجاهَ جماعاتٍ ما تزالُ تمارسُ العنفَ وتغذّي الانقسامَ والطائفية.
ومن هنا يبرزُ الجدلُ حولَ التطبيعِ الرياضيِّ مع الحوثيين؛ إذ لا يمكنُ فصلُ أيِّ نشاطٍ مشتركٍ عن واقعِ الدماءِ والجراحِ الممتدة، ولا عن حقيقةِ الصراعِ الذي تجاوزَ حدودَ السياسةِ إلى استهدافِ الهويةِ والعقيدةِ ومفهومِ الدولةِ ذاتها.
فالرياضةُ في أصلِها رسالةُ أخلاقٍ وتنافسٍ شريف، تُقرّبُ بين الشعوبِ في أزمنةِ الاستقرار، لكنها تفقدُ حيادَها حين تُستغلُّ لتلميعِ مشروعٍ ما يزالُ قائمًا على السلاحِ والقهرِ والتعبئةِ المذهبية. وعندما يُرادُ تقديمُ جماعةٍ انقلابيةٍ بوجهٍ طبيعيٍّ، في حينِ لم تتوقفْ أسبابُ الحرب، فإنَّ الأمرَ يتجاوزُ حدودَ الرياضةِ إلى محاولةِ صناعةِ واقعٍ نفسيٍّ وسياسيٍّ جديد.
وقد قرَّرَ الإسلامُ موقفًا واضحًا من الركونِ إلى الظالمين أو التهاونِ مع مشاريعِ الظلم، فقال تعالى:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾،
فالركونُ لا يكونُ بالسلاحِ وحده، بل قد يبدأُ بتليينِ المواقفِ وإضعافِ حساسيةِ الوعيِ تجاهَ الخطرِ القائم.
إنَّ أبناءَ الجنوبِ الذين قدّموا التضحياتِ دفاعًا عن الأرضِ والكرامةِ والهوية، ينظرون بعينِ الريبةِ إلى أيِّ محاولاتٍ لتجاوزِ ذاكرةِ الدماءِ قبلَ قيامِ سلامٍ عادلٍ يعيدُ الحقوقَ ويُنهي أسبابَ الصراع. فالقضيةُ ليست مباراةً عابرة، بل معركةُ وعيٍ تتعلّقُ بحفظِ الحقيقةِ من التزييف.
والأخطرُ من ذلك أنَّ التطبيعَ الرياضيَّ يفتحُ البابَ تدريجيًا لتحويلِ الجماعةِ المسلحةِ من مشروعِ تهديدٍ قائمٍ إلى “طرفٍ طبيعي”، بينما ما تزالُ أدواتُ القمعِ وخطاباتُ التحريضِ والسلاحُ حاضرَةً كما هي.
إنَّ الشعوبَ التي تحفظُ ذاكرتَها وتُصونُ تضحياتِها، هي وحدها القادرةُ على حمايةِ مستقبلِها. أمّا القفزُ فوقَ الجراحِ تحتَ عناوينَ ناعمة، فلن يصنعَ سلامًا حقيقيًا، بل سيؤسسُ لحالةٍ من التشويشِ السياسيِّ والأخلاقيِّ تُفقدُ الناسَ وضوحَ البوصلةِ ومعنى القضية.
رحمَ اللهُ الشهداء، وثبّتَ أهلَ الحق، وحفظَ الجنوبَ وأهلَه من مشاريعِ الهيمنةِ والضياع.
أنور العمري.