يزعم احد الباحثين من جامعة تُبن للعلوم الإنسانية أن لحج لا تتصدر معدلات الزواج فحسب، بل تتصدر أيضًا القدرة على إبقاء القلب حاضرا في العلاقة ، تحت تأثير الفل لسنوات طويلة.
ويقول إن العلاقة بين الزوجين تُقاس —على نحو أدق— بكمية الفل المستهلكة في نظام الطيبات أما أصل الحكاية، فيُرجعه إلى زمن هجرة اليمنيين بعد انهيار سد مأرب العظيم، حين حمل أحدهم شتلة صغيرة قيل إنها اقتُلعت من إحدى حدائق جنّ سليمان ومنذ ذلك الوقت، والناس يظنون أن النفاثات في العقد لم يكن المقصود بها السحر وحده، بل عقود الفل أيضًا.
ذلك النبات الذي يذهب بالعقل برفق، ثم يربط القلب بالجيد الذي يلتف حول عنق صاحبته في لحج، لا يُرتدى الفل للمناسبات بل يُعامل كجزء من الجسد، يزرعونه تحت السرير، ثم يقنعونكم أنه جرجير.
وتنفث النساء بين كل عقدة وأخرى وتربطها بشريطة بيضاء، تراها حمراء قليلًا، كأن قطرات خفية من دم القلب صبغتها قبل أن تصل إليك
ولا يوجد رجل —مهما اشتد بأسه— يستطيع مقاومة رائحته، خصوصًا حين تختلط ببقية مكونات عمل بيت المنصوري.
الزبد، والعسل الأبيض الخاص للمناطق الأشد حرارة، والبخور الذي كانت سفنه تعبر البحر إلى كنائس أوروبا، فتُقرع أجراسها معلنةً أن اليوم عيد
أما هنا، فلا أجراس، هنا يكفي صوت خلخالٍ خافت، يهزّ كيانك من الداخل، لتعرف أن الخميس قد حلّ، وأن ليلةً كاملة تُدبّر الآن ضد اتزانك العاطفي
ولا يخفى اليوم ارتفاع نسب الطلاق في المجتمع ، في علاقة عكسية تكاد تكون واضحة مع تراجع اقتناء الفل، فللذاكرة جزء صغير داخل الدماغ يُسمّى الحصين، لا تصل إليه احداث الأيام بسهولة، وللمفارقة فإن أبوابه تتشابك مع عصب الشم.
لهذا، يقول الباحث إن شم رائحة الفل_ حين الخصام _لا تعيد الذكرى فقط، بل تعيد معها حرارة المشهد كاملًا؛ بأشخاصه، ولهفتهم، ورائحتهم، والنار التي أُشعلت ذات ليلة حتى احترقت الأجساد من شدة الاشتياق لا شيء يستطيع إعادة تكوين تلك اللحظة كما يفعل الفل، فهو لم يكن عطرًا فحسب
كان تاجًا، وعقدًا، ولباسًا، وجزءًا من جسد الحبيبة، حتى إن قطراته إذا ندّت على جلدها، استعصى عليك، التفريق بين الرائحة ؛ اهي للفل ام الحبيبة، وحين شمه، يبدأ العقل مُساقً من القلب بإختلاق كل الأعذار، الممكنة، لا ليقنعك بالحب… بل ليعيد المشهد بأبطاله مرةً أخرى، ويشتعل كل شيء من جديد.