لم تعد التهديدات المرتبطة بإغلاق مضيق باب المندب أو تعطيل الملاحة في البحر الأحمر مجرد تصريحات إعلامية عابرة أو أدوات ضغط سياسية محدودة، بل أصبحت جزءاً من معادلة جيوسياسية معقدة ترتبط مباشرة بإعادة تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط، وربط الأمن البحري العالمي بمسارات الصراع الإقليمي بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى التحولات الكبرى في بنية النظام الدولي نفسه، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران وأذرعها الإقليمية، والتي دفعت المنطقة إلى مرحلة غير مسبوقة من التصعيد البحري المتبادل، حيث باتت الممرات المائية في الخليج العربي والبحر الأحمر جزءاً مباشراً من ساحات الاشتباك السياسي والعسكري والاقتصادي بين الطرفين.
فخلال السنوات الأخيرة، وبصورة أوضح منذ حرب غزة وما تبعها من تصعيد واسع في البحر الأحمر، ثم مع اتساع المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها المسلحة في اليمن والعراق ولبنان من جهة أخرى، انتقلت إيران من مرحلة التهديد التقليدي بإغلاق مضيق هرمز إلى مرحلة أكثر تطوراً تقوم على بناء "منظومة ردع بحرية متعددة الجغرافيا"، تمتد من الخليج العربي حتى البحر الأحمر، عبر أدوات محلية مرتبطة بطهران، وفي مقدمتها جماعة الحوثيين في اليمن. هذا التحول يعكس تغيراً عميقاً في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية، إذ لم تعد طهران تعتمد فقط على قدراتها العسكرية المباشرة داخل حدودها، بل باتت تعتمد على شبكة إقليمية من الحلفاء والقوى المسلحة القادرة على تهديد الممرات البحرية الدولية وإرباك الاقتصاد العالمي في حال تعرضها لأي استهداف عسكري أو حصار سياسي واقتصادي.
ومن المهم في هذا السياق الإشارة إلى الإطار القانوني الدولي الذي يحكم هذه الممرات البحرية، والذي يشكّل خرق إيران والحوثيين المتكرر له أحد الأبعاد الأساسية للأزمة. فمضيق باب المندب ومضيق هرمز يصنّفان قانوناً ضمن "المضايق المستخدمة للملاحة الدولية" وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي تكفل حق "المرور العابر" لجميع السفن دون عائق أو تهديد، وتمنع الدول المشاطئة من تعطيل الملاحة أو إخضاعها لشروط تعسفية. كما أن مبدأ "حق المرور البريء" في البحار الإقليمية لا يجيز استهداف السفن التجارية أو تفتيشها خارج أطر قانونية محددة. ومع ذلك، فإن تكرار استهداف السفن المدنية والتجارية في البحر الأحمر، دون إعلان حرب رسمي أو تفويض أممي، يمثل انتهاكاً صارخاً لهذه القواعد الدولية، ويكشف عن فجوة خطيرة بين القانون الدولي والواقع الميداني، وهي فجوة تستثمرها إيران لتحقيق مكاسب استراتيجية دون تحمل تكاليف قانونية مباشرة، مستفيدة من غياب آليات إنفاذ دولية فعّالة خارج الإرادة السياسية للقوى الكبرى.
كما كشفت المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران وأذرعها أن طهران لم تعد تنظر إلى مضيق هرمز بوصفه مجرد ورقة تهديد ظرفية، بل باعتباره جزءاً من معادلة "الحصار البحري المتبادل". ففي الوقت الذي سعت فيه الولايات المتحدة إلى تكثيف وجودها البحري وفرض ضغوط اقتصادية وعسكرية على إيران، حاولت طهران الرد عبر توسيع نطاق التهديد البحري ليشمل ليس فقط هرمز، بل أيضاً باب المندب والبحر الأحمر، بما يعني عملياً نقل المواجهة من إطار العقوبات التقليدية إلى معادلة تهديد التجارة والطاقة العالمية.
وقد كشفت الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها الإقليمية من جهة أخرى، أن الصراع تجاوز مرحلة الضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية التقليدية، ودخل فعلياً مرحلة الصدام على الممرات البحرية والطاقة العالمية. فمع تصاعد التوتر في الخليج العربي، اتجهت إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ردع استراتيجية عبر التهديد بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه، في محاولة لفرض معادلة تقوم على أن أي حصار اقتصادي أو استهداف عسكري لإيران سيقابله تهديد مباشر لتدفق الطاقة والتجارة الدولية. وفي المقابل، ردت الولايات المتحدة عبر تعزيز وجودها البحري وفرض ما يشبه الحصار البحري غير المعلن على إيران، من خلال تشديد الرقابة على حركة النفط والسفن الإيرانية، وتوسيع الانتشار العسكري البحري في الخليج العربي والبحر الأحمر، بما يعكس انتقال المواجهة من مرحلة “الاحتواء السياسي” إلى مرحلة “الاشتباك البحري الاستراتيجي”. كما أن انخراط إسرائيل في هذه المواجهة، سواء عبر التنسيق العسكري والاستخباراتي أو عبر استهداف البنية المرتبطة بإيران وأذرعها، جعل البحر الأحمر ومضيق باب المندب جزءاً مباشراً من معادلة الحرب الإقليمية الجارية، وليس مجرد ساحة فرعية مرتبطة بالحرب اليمنية.
ولفهم عمق هذا التحول، لا بد من مقارنة المشهد الحالي بفترات سابقة من الحرب اليمنية. فبين عامي 2015 و2022، كانت قدرات الحوثيين البحرية تقتصر على تهديدات محدودة للسفن الحربية السعودية وقوارب التحالف في المياه الإقليمية، باستخدام ألغام بحرية بدائية وزوارق مفخخة وصواريخ ساحلية متوسطة المدى، وكانت تلك العمليات تُقرأ في سياق الحرب الأهلية اليمنية لا في سياق التهديد الدولي. أما اليوم، فقد أصبحت الجماعة تمتلك طائرات مسيّرة انتحارية بعيدة المدى، وصواريخ باليستية مضادة للسفن، وزوارق مسيّرة مفخخة، وقدرات استخباراتية تمكنها من رصد وتتبع السفن التجارية في عرض البحر الأحمر وخليج عدن، وتوجيه ضربات انتقائية إليها على بعد مئات الكيلومترات من السواحل اليمنية. هذا التطور النوعي الهائل لم يكن ممكناً لولا نقل المعرفة التقنية والخبرات من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني إلى الكوادر الحوثية، في عملية بناء قدرات استمرت لسنوات تحت غطاء الحرب الأهلية، وأثمرت عن تحويل الحوثيين من جماعة متمردة محلية إلى طرف فاعل إقليمياً يمتلك مفاتيح أحد أهم الممرات المائية في العالم.
وقد أظهرت الحرب البحرية الأخيرة أن الحوثيين باتوا يشكلون ضلعاً أساسياً في الاستراتيجية الإيرانية الخاصة بـ"تعدد جبهات الاستنزاف"، حيث تحولت هجمات البحر الأحمر إلى جزء من الرد غير المباشر على الضغوط الأمريكية المفروضة على إيران، بما في ذلك العقوبات الاقتصادية، ومحاولات خنق صادرات النفط الإيرانية، والانتشار العسكري الأمريكي في الخليج العربي. وبهذا المعنى، لم يعد البحر الأحمر منفصلاً عن معادلة هرمز، بل أصبح الجناح الغربي لمنظومة الردع الإيرانية البحرية.
غير أن طبيعة العلاقة بين طهران والحوثيين ليست علاقة تحكم آلي مباشر، بل هي أقرب إلى نموذج "الوكالة الاستراتيجية المرنة"، مع اتفاقات تكتيكية مسبقة بحيث توجد درجة من الاستقلالية العملياتية لدى الحوثيين تجعلهم قادرين على اتخاذ قرارات تكتيكية تتعلق بتوقيت الضربات وأهدافها دون انتظار ضوء أخضر إيراني في كل مرة، بينما تبقى القرارات الاستراتيجية الكبرى – مثل فتح جبهة البحر الأحمر بعد حرب غزة، أو توسيع الهجمات بالتزامن مع التصعيد الأمريكي الإيراني الأخير، أو تنسيق مستوى التصعيد مع الأحداث الإقليمية – منسجمة مع الأجندة الإيرانية العامة، ويتم التنسيق بشأنها عبر قنوات اتصال متعددة تشمل المستشارين العسكريين الإيرانيين المتواجدين في صنعاء، وزيارات القيادات الحوثية إلى طهران، واجتماعات التنسيق في بيروت مع حزب الله. هذه البنية تمنح إيران ميزة مزدوجة: القدرة على التأثير في الأحداث من بعيد، مع الاحتفاظ بإمكانية إنكار المسؤولية المباشرة، وهو ما يصعّب على واشنطن بناء إجماع دولي لردع طهران.
ضمن هذا السياق، تبدو التصريحات الإيرانية المتكررة حول إمكانية إغلاق باب المندب بالتزامن مع مضيق هرمز جزءاً من استراتيجية "حافة الهاوية"، وهي استراتيجية تقوم على رفع مستوى التهديد إلى أقصى حد ممكن دون الوصول بالضرورة إلى الحرب الشاملة، بهدف ردع الخصوم وإجبارهم على إعادة حساباتهم السياسية والعسكرية. وتكشف هذه التصريحات عن عدة رسائل متداخلة، أولها أن إيران تريد إيصال رسالة واضحة لواشنطن مفادها أن أي مواجهة عسكرية معها لن تبقى محصورة في الجغرافيا الإيرانية أو الخليج العربي، بل ستتحول إلى أزمة عالمية تشمل أهم شرايين التجارة والطاقة الدولية، بما يعني رفع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها إلى مستويات غير مسبوقة. أما الرسالة الثانية فتتعلق بمحاولة طهران تأكيد وحدة ما يسمى "محور المقاومة"، عبر إظهار أن الحوثيين لم يعودوا مجرد جماعة محلية منخرطة في الحرب اليمنية، بل أصبحوا جزءاً من منظومة الردع الإقليمية الإيرانية، وقادرين على لعب دور مباشر في أي مواجهة إقليمية كبرى.
كما أن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران أظهرت أن الطرفين يتجهان تدريجياً نحو نموذج "الحصار البحري المتبادل"، فواشنطن تسعى إلى تطويق إيران اقتصادياً وعسكرياً ومنعها من استخدام الممرات البحرية بحرية كاملة، بينما تحاول طهران إثبات أنها قادرة على تعطيل جزء كبير من التجارة والطاقة العالمية إذا تعرضت لخطر وجودي. هذه المعادلة ترفع من احتمالات استخدام الممرات البحرية كسلاح سياسي طويل الأمد، وليس فقط كورقة ضغط مؤقتة.
وتبرز هنا أهمية البحر الأحمر وباب المندب في الحسابات الإيرانية الجديدة، فالمضيق لا يمثل ممراً بحرياً عادياً، بل يعد أحد أهم الشرايين التجارية في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وحركة الطاقة بين آسيا وأوروبا. وبالتالي فإن أي اضطراب طويل الأمد فيه لا يؤدي فقط إلى ارتفاع أسعار النفط، بل ينعكس أيضاً على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الغذاء والتأمين والشحن والتضخم الدولي. ويكتسب الممر البحري أهمية إضافية بموقعه كحلقة وصل بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر قناة السويس، مما يجعل تعطيله مؤثراً مباشراً في إيرادات مصر من القناة، التي تراجعت بشكل ملحوظ خلال فترات التصعيد، وهو ما يضيف بُعداً اقتصادياً عربياً داخلياً إلى الأزمة، ويدفع القاهرة إلى حسابات معقدة بين تأمين مصدر دخلها القومي الحيوي من جهة، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية قد تهدد أمنها القومي من جهة أخرى.
لقد أثبتت هجمات الحوثيين خلال أزمة البحر الأحمر، خصوصاً بعد اتساع المواجهة الأمريكية الإيرانية الأخيرة، أن الجماعة باتت تمتلك قدرة فعلية على التأثير في الملاحة الدولية، حتى دون تحقيق "إغلاق كامل" للممر البحري. فمجرد استهداف عدد محدود من السفن أو رفع مستوى المخاطر الأمنية أدى إلى تحويل مسارات العديد من شركات الشحن العالمية نحو رأس الرجاء الصالح، وهو ما تسبب بارتفاع كبير في تكاليف النقل والتأمين وتأخير وصول البضائع إلى الأسواق العالمية. وهذا يعني أن السيناريو الأخطر قد لا يكون الإغلاق العسكري الكامل لباب المندب، بل "إدارة الفوضى البحرية" بشكل مستمر، أي إبقاء الممر في حالة تهديد دائم ترفع تكاليف التجارة العالمية وتخلق حالة استنزاف اقتصادي طويلة المدى دون الوصول إلى مواجهة شاملة مباشرة مع الولايات المتحدة. هذا النمط من "الحرب الرمادية" يمنح إيران والحوثيين عدة مزايا استراتيجية، فهو يسمح لهما بتحقيق تأثير اقتصادي وسياسي عالمي بأدوات منخفضة الكلفة نسبياً، كما يخلق حالة قلق مستمرة في الأسواق الدولية، ويمنح طهران أوراق ضغط إضافية في ملفاتها التفاوضية، خصوصاً الملف النووي والعقوبات الاقتصادية.
ومن زاوية أخرى، فإن التصريحات الإيرانية التي تلوّح بعدم استهداف السعودية إذا بقيت خارج أي مواجهة مع إيران تحمل دلالات سياسية عميقة، لأنها تعكس محاولة إيرانية واضحة لفصل الموقف الخليجي عن الموقف الأمريكي، ودفع دول الخليج إلى التفكير بمنطق "حماية المصالح الاقتصادية" بدلاً من الانخراط في تحالفات عسكرية واسعة ضد طهران. لكن هذه الرسالة تواجه معضلة مصداقية حقيقية، فالذاكرة السعودية والإقليمية لم تنسَ بعد هجمات سبتمبر 2019 على منشأتي بقيق وخريص النفطيتين، والتي أثبتت أن طهران – وحلفاءها – لم يترددوا سابقاً في ضرب العمق السعودي الحيوي عندما تطلبت الحسابات الاستراتيجية ذلك. كما أن استهداف الحوثيين للمطارات والمنشآت المدنية السعودية خلال سنوات الحرب يلقي بظلال من الشك على إمكانية فصل الجبهة اليمنية عن أي مواجهة إقليمية أوسع، مما يدفع الرياض إلى قراءة هذه التطمينات بقدر كبير من الحذر والتحفظ.
كما أن الحصار البحري المتبادل في مضيق هرمز خلال التصعيد الأخير أعاد إلى الواجهة المخاوف الخليجية من تحوّل الخليج العربي إلى ساحة تعطيل مزمن لصادرات النفط والطاقة، وهو ما دفع دول الخليج إلى تكثيف مساعيها لتنويع خطوط التصدير وتعزيز البدائل البحرية والبرية، تحسباً لأي مواجهة طويلة قد تؤدي إلى تعطيل الملاحة أو استهداف البنية التحتية النفطية.
وتدرك إيران أن السعودية تمثل الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة، لأن أي تعطيل متزامن لهرمز وباب المندب سيضع صادرات النفط السعودية أمام تحديات خطيرة، خصوصاً أن ميناء ينبع على البحر الأحمر يمثل المنفذ البديل الأهم للصادرات النفطية السعودية في حال تعطل الملاحة في الخليج العربي. وبالتالي فإن إغلاق باب المندب لا يعني فقط تهديد التجارة الدولية، بل يهدد أيضاً الاستراتيجية السعودية الخاصة بتنويع منافذ تصدير النفط وتقليل الاعتماد على هرمز، وهو ما قد يدفع الرياض مستقبلاً إلى إعادة تقييم موقفها من الحوثيين إذا شعرت بأن مصالحها الاقتصادية الحيوية أصبحت مهددة بشكل مباشر.
في المقابل، تدرك الولايات المتحدة وإسرائيل أن السماح باستمرار هذا النمط من التهديد قد يؤدي إلى ترسيخ معادلة جديدة في المنطقة تقوم على "ابتزاز الاقتصاد العالمي عبر الممرات البحرية"، ولهذا فإن أي تصعيد كبير قد يدفع واشنطن إلى رد عسكري واسع يتجاوز حدود الضربات المحدودة، وربما يشمل البنية العسكرية والموانئ الاستراتيجية الخاضعة للحوثيين في الحديدة والصليف ورأس عيسى، إضافة إلى توسيع نطاق العمليات البحرية في الخليج العربي ومضيق هرمز. غير أن هذا السيناريو يحمل مخاطر إنسانية وسياسية هائلة بالنسبة لليمن، لأن استهداف الموانئ الرئيسية قد يؤدي إلى تعطيل دخول المساعدات والمواد الغذائية والوقود، في بلد يعاني أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم وفق تقارير الأمم المتحدة. كما أن استمرار عسكرة البحر الأحمر والخليج العربي معاً قد يؤدي إلى تدويل أوسع للأزمة اليمنية، وزيادة الوجود العسكري الدولي في المنطقة، وتحويل السواحل والجزر اليمنية إلى ساحات تنافس إقليمي ودولي مفتوح، وهو ما يهدد مستقبل الدولة اليمنية ووحدة القرار الوطني اليمني على المدى الطويل.
ولا يمكن فهم المشهد كاملاً دون الإشارة إلى الموقف الدولي الأوسع، خصوصاً موقف الصين وروسيا. فبينما تنظر بكين بقلق بالغ إلى أي تهديد لحرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، اللذين يمر عبرهما جزء مهم من مبادرة الحزام والطريق وإمدادات الطاقة المتجهة إلى الصين، فإنها في الوقت نفسه تلتزم بنهج حذر يحافظ على علاقاتها المتوازنة مع كل من إيران ودول الخليج، مفضلة الدبلوماسية الهادئة على الانخراط العسكري. أما روسيا، فتنظر إلى التوتر في البحر الأحمر والخليج العربي كعامل إضافي لإشغال الغرب وإرباك الاقتصاد العالمي، وقد تستخدم علاقاتها مع طهران لتوظيف الأزمة في مفاوضاتها الجيوسياسية الأوسع مع واشنطن، دون أن تسعى بالضرورة إلى حلها. هذا التموقع الدولي المعقد يعني أن إدارة أزمة البحر الأحمر وهرمز لن تكون مهمة سهلة، لأنها محكومة بتقاطعات مصالح دولية لا تصب كلها في اتجاه التهدئة.
وفي البعد الأوسع، فإن ما يحدث اليوم يكشف عن تحول كبير في طبيعة الصراعات الدولية، حيث لم تعد القوة العسكرية التقليدية وحدها هي العامل الحاسم، بل أصبحت الممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والتجارة العالمية أدوات مركزية في معادلات الردع والصراع. فإيران تحاول عملياً استخدام الجغرافيا البحرية كسلاح سياسي واستراتيجي، عبر ربط أمن الاقتصاد العالمي بمستوى التوتر معها، بينما تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها لمنع تشكل هذه المعادلة خشية تحولها إلى نموذج دائم يعيد تعريف ميزان القوى في الشرق الأوسط.
وقد كشفت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران وأذرعها أن أي تصعيد في الخليج العربي لم يعد قابلاً للاحتواء داخل حدود مضيق هرمز وحده، بل بات يمتد تلقائياً إلى البحر الأحمر وباب المندب، بما يعني أن الممرات البحرية أصبحت مترابطة ضمن مسرح صراع واحد، وأن أي أزمة مستقبلية قد تؤدي إلى اضطراب متزامن في الخليج العربي والبحر الأحمر معاً، وهو ما يرفع مستوى المخاطر على الاقتصاد العالمي إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو اليمن اليوم أكثر من مجرد ساحة حرب أهلية، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز رئيسية في الصراع على أمن البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية، وإلى جزء من معادلة الأمن العالمي والطاقة والتجارة الدولية. إن خطورة المرحلة الحالية لا تكمن فقط في احتمالات الحرب المباشرة، بل في إمكانية الانزلاق التدريجي نحو صراع إقليمي مفتوح نتيجة خطأ حسابي أو حادث بحري كبير قد يخرج الأمور عن السيطرة، خصوصاً في ظل تعدد الفاعلين، وتشابك المصالح، وغياب أي إطار إقليمي مستقر لإدارة الأزمات.
السيناريوهات المستقبلية: تفصيل السيناريو المرجح
بالنظر إلى تطورات الميدان ومواقف الأطراف الفاعلة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل البحر الأحمر والخليج العربي، اثنان منها على طرفي النقيض، والثالث – وهو الأكثر ترجيحاً – يقع في منطقة وسطى تجمع بين التصعيد والتهدئة في آنٍ معاً.
السيناريو الأول: التصعيد المنضبط المستدام (السيناريو المرجح)
وهو سيناريو "اللاستقرار المُدار"، حيث يستمر الحوثيون في تنفيذ هجمات متقطعة ومنتقاة على سفن الشحن المرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا، بالتوازي مع استمرار التوتر البحري بين واشنطن وطهران في مضيق هرمز، دون الوصول إلى حد الإغلاق الكامل للمضيقين، مع فترات من التهدئة النسبية ترتبط بالمفاوضات الإقليمية أو التطورات في غزة أو الملف النووي الإيراني. في هذا السيناريو، تبقى حركة الملاحة الدولية مستمرة ولكن بتكاليف مرتفعة، وتستمر شركات الشحن الكبرى في تحويل مسارات سفنها بشكل جزئي، بينما تتكيف الأسواق العالمية تدريجياً مع "الوضع الطبيعي الجديد". ستعمل إيران على توظيف هذا الوضع كورقة ضغط دائمة في مفاوضاتها النووية والاقتصادية، وسيبقى مستوى التهديد تحت عتبة الحرب الشاملة، لكنه سيظل كافياً لإبقاء المجتمع الدولي في حالة قلق دائم. في اليمن، سيعزز هذا السيناريو موقف الحوثيين التفاوضي، وسيزيد من تعقيد أي محاولة للتسوية السياسية، بينما تستمر الأزمة الإنسانية في التفاقم، مع إمكانية حصول تدهور متقطع في تدفق المساعدات الإنسانية.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً لأسباب عدة:
منطق الكلفة والعائد: يسمح هذا النمط لإيران والحوثيين بتعظيم المكاسب السياسية والاستراتيجية مع الإبقاء على الكلفة العسكرية والاقتصادية المباشرة ضمن حدود محتملة، دون إثارة رد فعل أمريكي شامل قد يهدد البنية العسكرية للحوثيين أو يجر إيران إلى مواجهة مباشرة.
قدرة الحوثيين على امتصاص الضربات: أظهرت الضربات الأمريكية والبريطانية المحدودة قدرة الجماعة على إعادة التموضع والتكيف، كما أن استهداف الموانئ اليمنية بشكل واسع محفوف بمخاطر إنسانية وسياسية تردع واشنطن عن خيار التدمير الشامل.
الاصطفاف الدولي المنقسم: غياب إجماع دولي حول كيفية الرد، وتباين المصالح بين الغرب والصين وروسيا، يمنح إيران هامش مناورة أوسع، ويجعل الرد الدولي الموحد صعب التحقيق.
ارتباط الأزمة بملفات إقليمية متحركة: أي تغير في ديناميكيات الحرب في غزة أو في مسار المفاوضات النووية الإيرانية أو في مستوى التصعيد البحري في هرمز سيؤثر مباشرة على مستوى التصعيد في البحر الأحمر، مما يجعل "إدارة الأزمة" خياراً أكثر واقعية من "حسمها". هذا السيناريو يعني أن العالم قد دخل مرحلة "الصراع البحري المزمن" الذي سيعيد تشكيل سلاسل الإمداد والتجارة البحرية العالمية لسنوات قادمة.
كما أن استمرار الحصار البحري الأمريكي على إيران، مقابل محاولات طهران استخدام هرمز وباب المندب كورقة ردع مضاد، قد يدفع المنطقة تدريجياً نحو نموذج “الحرب البحرية طويلة الأمد”، حيث تصبح الممرات البحرية نفسها جزءاً من معادلة الاستنزاف المتبادل، وليس مجرد خطوط عبور تجارية محايدة.
السيناريو الثاني: المواجهة الشاملة الإقليمية
وهو سيناريو اندلاع حرب إقليمية واسعة، تبدأ إما بضربة عسكرية أمريكية إسرائيلية كبرى على إيران، أو بهجوم حوثي كبير يؤدي إلى خسائر بشرية واقتصادية ضخمة تستدعي رداً دولياً عنيفاً، أو نتيجة انهيار قواعد الاشتباك الحالية في مضيق هرمز. في هذا السيناريو، سيتم استهداف الموانئ اليمنية بشكل كامل، وستتوسع الحرب لتشمل مضيق هرمز وباب المندب والخليج العربي، وقد تتعرض منشآت النفط الخليجية وخطوط الملاحة الدولية للخطر، مما يؤدي إلى انهيار سلاسل الطاقة العالمية وارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة. ستدخل المنطقة في حالة فوضى أمنية شاملة، وستتحول اليمن إلى مسرح حرب إقليمي مفتوح، وهو ما سيدفع الأزمة الإنسانية إلى نقطة الانهيار التام. هذا السيناريو يبقى الأقل ترجيحاً حالياً، لكنه ليس مستبعداً بالكامل في ظل غياب قنوات اتصال مباشرة فاعلة، وتزايد احتمالات الخطأ الحسابي من أي طرف.
السيناريو الثالث: التهدئة المؤقتة والتفاوض الإقليمي
وهو سيناريو يتم فيه التوصل إلى تفاهمات إقليمية ودولية تؤدي إلى وقف هجمات البحر الأحمر وخفض التوتر في مضيق هرمز مقابل خطوات ملموسة في مسارات إقليمية أخرى، مثل تقدم جاد في وقف حرب غزة، أو رفع جزئي للعقوبات عن إيران، أو دفع مسار التسوية السياسية في اليمن. هذا السيناريو ليس مجرد أمنية نظرية، بل له سوابق تاريخية يمكن الاستناد إليها، أبرزها تجربة "قناة الاتصال البحرية" بين إيران والولايات المتحدة التي أُنشئت لتجنب الحوادث البحرية في الخليج العربي، وكذلك تفاهمات وقف إطلاق النار المؤقتة التي رعتها الأمم المتحدة في الحديدة عام 2018، والتي أثبتت إمكانية تحقيق تهدئة محدودة في أكثر الملفات تعقيداً حين تتوفر الإرادة السياسية. في هذا السيناريو، يمكن أن تتحول أزمة البحر الأحمر والخليج العربي من تهديد إلى فرصة لإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية، ويمكن للمجتمع الدولي أن يستغل الحاجة إلى تأمين الملاحة الدولية كورقة ضغط إيجابية لإحياء المسار السياسي اليمني وتقديم حوافز اقتصادية للأطراف اليمنية مقابل ضمانات أمنية بحرية. لكن هذا السيناريو يتطلب إرادة سياسية دولية عالية وتنازلات متبادلة قد لا تكون متوفرة في المدى المنظور، مما يجعله ممكناً لكنه أقل ترجيحاً من سيناريو التصعيد المنضبط.
وفي ضوء هذه السيناريوهات، يتأكد أن مستقبل البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز لم يعد قضية يمنية أو إقليمية فحسب، بل أصبح جزءاً من الصراع الدولي على النفوذ والطاقة والممرات البحرية، ومن إعادة تشكيل النظام الجيوسياسي في الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة. وإذا كان هناك من خلاصة مؤكدة، فهي أن اليمن سيبقى قلب هذه المعادلة مهما اختلفت السيناريوهات، وأن أي محاولة لمعالجة أزمة البحر الأحمر بمعزل عن التسوية السياسية الشاملة في اليمن والمنطقة ستكون محكومة بالفشل على المدى البعيد، لأنها ستعالج الأعراض بدلاً من الأسباب العميقة التي حولت الممرات البحرية إلى ساحة صراع مفتوحة على كل الاحتمالات.
*أكاديمي ومحلل سياسي يمني
جامعة تعز