آخر تحديث :الخميس - 21 مايو 2026 - 02:01 م

قضايا


سلسلة الهوية الدينية في جنوب اليمن : المشهد بعد حرب 2015

الخميس - 21 مايو 2026 - 09:47 م بتوقيت عدن

سلسلة الهوية الدينية في جنوب اليمن : المشهد بعد حرب 2015

عدن (مركز سوث24)

خلصت دراسة جديدة لمركز سوث24 للأخبار والدراسات إلى أنّ حرب عام 2015 شكّلت نقطة تحول مفصلية في بنية المشهد الديني بجنوب اليمن، إذ لم تعد الهوية الدينية مجرد انتماء روحي أو اجتماعي، بل أصبحت أحد مكونات الصراع السياسي والعسكري، في ظل انهيار سلطة الدولة المركزية، وتعدد مراكز النفوذ، وصعود جماعات وتيارات دينية تحولت من المجال الدعوي إلى أدوار أمنية وعسكرية وسياسية مباشرة.




الدراسة، التي أعدّتها الباحثة فريدة أحمد بعنوان "المشهد الديني بعد حرب 2015"، تمثل الجزء الرابع والأخير من سلسلة بحثية يصدرها المركز حول "الهوية الدينية في جنوب اليمن". واعتمدت، إلى جانب المصادر المكتبية والإعلامية، على مقابلات ميدانية أجرتها الباحثة ومراسلو المركز في عدن وحضرموت والمهرة وشبوة مع أئمة وخطباء مساجد ومشائخ وشخصيات دينية وخبراء وناشطات ومهتمين بالشأن الاجتماعي والثقافي.




وقالت الدراسة إنّ الحرب الأخيرة في اليمن "كشفت عن تعبيرات واضحة وتداعيات ملموسة" لمفهوم الهوية الدينية في الواقعين الاجتماعي والسياسي، معتبرة أن الحرب منذ 2015 "أدت إلى إعادة تشكيل خريطة المشهد الديني في اليمن بشكل عام والجنوب بشكل خاص، وفتحت المجال أمام تصاعد الأبعاد المذهبية والطائفية في الخطاب العام".




انهيار الدولة وإعادة تشكيل المجال الديني بعد 2015




وبحسب الدراسة، فإن انهيار السلطة المركزية بعد عام 2014 أضعف قدرة المؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها وزارة الأوقاف والإرشاد، على تنظيم المجال الديني وضبط الخطاب المنبري. ونتيجة لذلك، تفرقت خارطة النفوذ الديني بحسب مناطق السيطرة السياسية والعسكرية؛ ففي مناطق الحوثيين أعيد توجيه المساجد والمناهج لخدمة المشروع الأيديولوجي للجماعة، وفي مناطق شمالية خاضعة جزئياً للحكومة المعترف بها دولياً حافظ حزب الإصلاح على شبكاته التقليدية، بينما برزت في الجنوب التيارات السلفية بوصفها قوة مؤثرة في المجالين الدعوي والأمني معاً.




وتؤكد الدراسة أنّ الدين "لم يعد مجالاً للوعظ والإرشاد فقط، بل تحوّل خلال أكثر من عشر سنوات من عمر الحرب إلى إحدى ركائز النفوذ السياسي والهيمنة العسكرية". وتربط هذا التحول بتفكك الدولة، واحتياج أطراف الصراع إلى أدوات تعبئة ذات قدرة على حشد المقاتلين والأنصار، إضافة إلى دخول الفاعلين الإقليميين على خط إعادة تشكيل موازين القوى الدينية والعسكرية.




وفي محور الجماعات المتطرفة، تشير الدراسة إلى أنّ تفكك المنظومة الأمنية والعسكرية بعد انقلاب الحوثيين عام 2014 أفسح المجال أمام تمدد تنظيمي القاعدة في شبه جزيرة العرب وداعش في مناطق شمالية وجنوبية، بينها حضرموت وعدن وأبين وشبوة. وتستعيد الدراسة سيطرة القاعدة على مدينة المكلا لمدة عام كامل حتى عام 2016، قبل أن تستعيدها قوات النخبة الحضرمية بدعم إماراتي، ثم تراجع حضور التنظيم لاحقاً في شبوة وحضرموت وأبين بفعل عمليات عسكرية محلية، بينها "السيف الحاسم" و"سهام الشرق".




وترى الدراسة أن إنشاء تشكيلات أمنية وعسكرية جنوبية، مثل الأحزمة الأمنية والنخب الحضرمية والشبوانية وقوات مكافحة الإرهاب، أسهم في تغيير معادلة المواجهة مع التنظيمات المتطرفة. غير أنها حذّرت في الوقت نفسه من أنّ التراجع أو إعادة هندسة هذه التشكيلات بفعل الصراعات السياسية والتدخلات الإقليمية قد ينعكس سلباً على زخم مكافحة الإرهاب، خصوصاً في مناطق مثل وادي وصحراء حضرموت.




وتفرد الدراسة مساحة واسعة لتأثير المقاربتين السعودية والإماراتية على القوى الدينية في اليمن. فبينما رأت الرياض في توظيف نفوذ التيارات الإسلامية، وعلى رأسها حزب الإصلاح (حركة الإخوان المسلمين في اليمن)، رافعة في مواجهة الحوثيين، اتجهت أبوظبي إلى دعم تشكيلات عسكرية محلية بديلة في الجنوب، بعضها ذو خلفية سلفية. وتخلص الدراسة إلى أنّ القوى السلفية في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً انتقلت من فاعلين ذوي طابع دعوي إلى مكونات عسكرية تؤثر مباشرة في ديناميات الصراع وإعادة إنتاج توازناته.




وتشير الدراسة إلى أربعة هياكل رئيسية للقوى ذات الخلفية السلفية في مناطق سيطرة الحكومة: مجاميع تنخرط في الجيش الوطني في تعز ومأرب، ألوية العمالقة الجنوبية، قوات درع الوطن، وقوات الطوارئ اليمنية. لكنها تلاحظ أن الطابع السلفي لهذه التشكيلات يبدو أوضح على مستوى القيادة، في حين لا تعكس القاعدة البشرية دائماً درجة التجانس الأيديولوجي نفسها، إذ ينضم إليها أفراد بدوافع اقتصادية ومعيشية مرتبطة بالرواتب وفرص العمل.




صعود السلفية، تراجع الإصلاح، وتحولات الخطاب 




وفي مقارنة بين السلفية وحزب الإصلاح، تقول الدراسة إن حزب الإصلاح احتفظ قبل حرب 2015 بنفوذ نسبي في بعض محافظات جنوب اليمن، خصوصاً شبوة وحضرموت، مستنداً إلى شبكته التنظيمية وحضوره الحزبي. لكنه تعرّض بعد الحرب لتآكل تدريجي بفعل صعود التيارات السلفية وارتباط معظم تشكيلاتها بعلاقات ولاء مع خصومه، ولا سيما المجلس الانتقالي الجنوبي. وتعتبر الدراسة أن أحداث أغسطس 2019 في عدن، ثم تحولات شبوة لاحقاً، مثلت محطات مفصلية في تراجع نفوذ الحزب في الجنوب.




كما تتناول الدراسة ملف خطب المساجد والرقابة على الخطاب الديني بعد الحرب، مشيرة إلى أنّ بعض المنابر في جنوب اليمن وظفت خطاباً طائفياً في بدايات الصراع بهدف التعبئة ضد الحوثيين، فيما اتجهت السلطات في عدن إلى ضبط بعض المنابر واستبدال خطباء اتُهموا بالتحريض. وتلاحظ الدراسة أن مستوى الرقابة يختلف بين المحافظات الجنوبية؛ إذ تبدو القيود أوضح في عدن بسبب تعقيداتها السياسية، بينما تظهر حضرموت والمهرة أكثر انفتاحاً في إدارة الشأن الديني.




ونقلت الدراسة عن شيخ سلفي في حضرموت قوله إنّ "معظم التيارات السلفية التقليدية مازالت تتبنى خطاباً مكثفاً عن علاقة المحكوم بالحاكم، والعبادات والأخلاقيات والعقائد، وهي مواضيع أبعد عن الواقع، بعكس التيار السلفي الحركي الذي يتناول قضايا تمس الواقع وتؤثر فيه". كما أوردت عن خطباء في المهرة وحضرموت تأكيدهم أن الحكومة لا تلزمهم غالباً بنصوص محددة، باستثناء توجيهات عامة عند الحاجة لتناول قضايا تمس المجتمع.




وفي ملف المراكز الدينية، تكشف الدراسة عن انتشار لافت للمراكز السلفية في الجنوب بعد 2015، مقسّمة إياها إلى نمطين: مراكز سلفية علمية مرتبطة بالمدرسة التقليدية في دماج، ومراكز سلفية حركية ذات طابع تنظيمي تدير جمعيات وأنشطة ودورات. وتورد الدراسة قائمة بمراكز في عدن ولحج وشبوة والضالع ويافع وحضرموت والمهرة، بينها مراكز تضم آلاف الطلاب، ما يعكس اتساع نفوذها الاجتماعي والدعوي.




لكن الدراسة تحذّر من غموض تمويل بعض هذه المراكز، مشيرة إلى أن القائمين عليها غالباً ما يعزون الدعم الخارجي إلى "أمراء خليجيين" أو "جمعيات خيرية كويتية"، بينما تكشف المعطيات، وفق الدراسة، عن تمويل يفوق الاحتياجات الطبيعية لبعض الأنشطة. 




وتورد الدراسة مثالاً على ذلك مركز دار الحديث السلفي في محافظة الضالع، الذي يقوده الشيخ رشاد الضالعي، إذ تقول إنّه يتلقى "تمويلاً كبيراً"، ورغم تبرير بعض الجهات بأن الدعم يأتي من تجار محليين، فإنّ "مؤشرات أخرى تربط جزءاً من التمويل بجهات خارجية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية". 




وتقول إنّ بعض هذه المراكز لعبت دوراً مزدوجاً؛ إذ أسهمت في حشد الجهود ضد الحوثيين، لكنها قد تتحول، في ظل ضعف الرقابة، إلى أدوات سياسية أو عسكرية أو ساحات قابلة للاختراق من جماعات متطرفة أو جهات إقليمية.




وتقول الدراسة في هذا السياق إنّ "أي معاهد أو مراكز دينية تعمل خارج منظومة الإشراف والرقابة الرسمية للدولة من الممكن أن تشكل خطراً على استقرار المجتمع"، لأنها قد تؤدي مع الوقت إلى إنتاج فكر متشدد أو ممارسات غير منضبطة تتعارض مع سياسات الدولة وقيم المجتمع.




وتطرقت الدراسة إلى التيارات الصوفية، معتبرة أنها حافظت عموماً على قدر من الحياد والاستقلالية، خصوصاً في حضرموت، رغم تعرضها لضغوط تاريخية من التيارات السلفية والإخوانية. وتؤكد أن التصوف في جنوب اليمن لم يعد يمتلك التأثير السياسي والاجتماعي ذاته الذي كان يتمتع به تاريخياً، لكنه لا يزال يمثل أحد مكونات الهوية الدينية الوسطية، لا سيما في حضرموت وعدن.




الانعكاسات الاجتماعية والثقافية 




أما على المستوى الاجتماعي، فترى الدراسة أن صعود التيارات الدينية المحافظة بعد 2015 انعكس على حقوق النساء والحريات الشخصية، من خلال تضييق مشاركة النساء في المجال العام، وفرض قيود اجتماعية ودينية على عملهن وتنقلهن ومشاركتهن في الحياة السياسية والمجتمعية. وتنقل الدراسة عن صانعة المحتوى ريم بجاش قولها: "بدلاً من أن تكون المرأة شريكة في صنع القرار والمجتمع، أصبحت خاضعة لوصاية تفرضها هذه التيارات لتبرير إقصائها من المجال العام، بما في ذلك السياسة والتعليم وسائر ميادين المشاركة المجتمعية".




كما تنقل عن د. آيات النعماني قولها إنّ "بعض التيارات الدينية ما تزال تُكرّس مفاهيم تُقصي النساء عن المجال العام"، وإن الخطاب الديني في بعض المنابر "يربط حقوق المرأة بالتهديد والعقاب والغضب الإلهي". وفي المقابل، لا تختزل الدراسة المشهد في صورة قاتمة بالكامل، إذ تشير إلى استمرار هوامش نسوية في الاقتصاد والتعليم والصحة والعمل الإنساني، رغم أنها باتت أكثر حذراً وتكيّفاً مع السياق المحافظ.




وتقول الدراسة إن الأقليات الدينية والثقافة والفن كانت بدورها ضمن المتأثرين بالتحولات الدينية والاجتماعية. وتشير إلى تراجع حضور الأقليات في عدن منذ حرب 1994، وإغلاق آخر معبد هندوسي خلال حرب 2015، واستهداف دار "الأم تريزا" في مارس 2016، إضافة إلى تدمير مسجد الحسيني "الخوجة" الشيعي في عدن. كما تتناول حملات التحريض ضد فنانين ومثقفين، بينها تهديد لاعب الخفة محمد عبد الكريم "تيكا" من على منبر أحد المساجد، والضغوط التي طالت الفنون والمسرح والدراما.




ونقلت الدراسة عن الفنان العدني عدنان الخضر قوله: "لقد فقدنا جزءاً كبيراً من قيمة الفن، لأنّ تصوير المرأة بالحجاب داخل بيتها يجعلها تبدو غريبة عن محيطها، وهو أمر غير واقعي، وتكراره يفقد المشهد صدقيته". واعتبرت الدراسة أن المشهد الديني والثقافي في جنوب اليمن اتجه تدريجياً منذ 1994، وبصورة أكثر وضوحاً بعد 2015، نحو مزيد من الانغلاق والتشدد، بما قوّض التنوع الذي عُرفت به عدن تاريخياً.




وفي خاتمتها، خلصت الدراسة إلى أنّ الحرب منذ 2015 أحدثت تحولات هيكلية في المشهد اليمني على المستويات الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية، مؤكدة أن الجماعات الدينية تحولت إلى أدوات مؤثرة في السياسة والعسكرة، وأن الخطاب الطائفي والديني استُخدم لإضفاء شرعية على الهيمنة السياسية والعسكرية.




وأوصت الدراسة بإعادة بناء الإطار المؤسسي المنظم للمجال الديني في جنوب اليمن، عبر إخضاع المساجد والمراكز الدينية والمؤسسات ذات الطابع الديني لإشراف مكاتب وزارة الأوقاف مباشرة، بما يضمن استقلال الخطاب الديني عن التوظيف السياسي والأمني. كما دعت إلى تحصين جهود مكافحة الإرهاب ضمن إطار مؤسسي مستدام، ودعم التشكيلات الأمنية والعسكرية المحلية، ومنع توظيف ملف الإرهاب سياسياً أو إقليمياً.




وشددت التوصيات كذلك على إعادة تأهيل الأئمة والدعاة علمياً، وضبط مصادر التمويل، ومراجعة المناهج الدينية، وتنظيم دور التشكيلات السلفية المسلحة ضمن إطار جنوبي مؤسسي واضح، بما يمنع استخدامها كأدوات صراع إقليمي. كما دعت إلى استعادة المجال الديني الجنوبي بطابعه الوسطي والتاريخي، وحماية المذهب الشافعي كهوية دينية وثقافية للجنوب، والعمل مبدئياً بنظام "الخطبة الموحدة" في المساجد، إلى جانب دعم حرية النساء في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية، وحماية الأقليات والفنانين والمبدعين من المضايقات والتحريض.