في السابع من يوليو من كل عام، تتجسد مشهدية جنوبية فريدة، لا تقتصر على استذكار ذكرى، بل تتجاوزها إلى تأكيد هوية ومراجعة مسار. إن مليونية رفض الوصاية والاحتلال هذا اليوم، التي شهدتها عدن وعدد من المحافظات الجنوبية، ليست مجرد فعالية جماهيرية عابرة، بل هي استفتاء شعبي مفتوح على فكرة الدولة، ورفضٌ صارخ لسياسة فرض الأمر الواقع التي أدارت عقوداً من التهميش والنهب.
أولاً: الذاكرة ليست انفعالاً، بل مراجعة تاريخية
ما حدث في 7 يوليو 1994 لم يكن هزيمة عسكرية بالمعنى الضيق، بل كان قطيعة مع خيار الشعوب في تقرير مصيرها. الجنوب الذي كان جمهورية قائمة وعضواً في الأمم المتحدة، وعضوآ في الجامعة العربية جرى طمسه بقوة السلاح، وحل محله كيان هجين لم يحقق عدالة، بل أنتج حرباً متجددة. إن تمسك الجنوبيين بهذا التاريخ دليل على أن الذاكرة الجمعية عصية على المصادرة، وأن الحقوق لا تسقط بالتقادم، مهما طال الزمن.
ثانياً: المليونية كخطاب سياسي مكثف
في زحمة المشهد، تحمل الحشود رسائل متعددة: أولها، أن الجنوب ليس "إقليماً" يُدار بالنيابة، بل هو طرف سياسي أصيل له إرادته. وثانيها، أن النهب الذي طال الثروات النفطية والغازية والسمكية وتهميش واقصاء كوادره، إلى جانب التدمير المنهجي للبنية التحتية، لا يمكن تبريره تحت أي عناوين. وثالثها، أن خيار الدولة المستقلة بعاصمتها التاريخية عدن، ليس طموحاً رومانسياً، بل حلٌّ واقعي لإعادة الاستقرار لمنطقة مزقتها الحروب والتدخلات.
ثالثاً: بين الشرعية الدولية وحقوق الشعوب
ربما يطرح البعض سؤالاً حول الجدوى، في ظل تعقيدات إقليمية ودولية. لكن الإجابة تكمن في أن ميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان يكرسان حق الشعوب في تقرير مصيرها. والجنوب، بامتلاكه تجربة دولة سابقة، يختلف عن أي مشروع انفصالي هلامي؛ إنه يستعيد دولة، لا يخترع كياناً. وما المليونيات المتتالية سوى دليل على نضج الوعي السياسي، وقدرة الشعب على التعبير السلمي عن إرادته، بعيداً عن أي وصاية أو إملاء.
خاتمة: الجنوب في مفترق طرق
ما بعد مليونية 7 يوليو، لن يكون كما قبله. فهي تضع المجتمع الدولي والأطراف الإقليمية أمام مسؤولياتهم: إما الانخراط الجاد في عملية سياسية تعترف بالحقوق الجنوبية، أو الاستمرار في سياسة التسويف التي أثبتت فشلها. الجنوب اليوم ليس بحاجة إلى وعود، بل إلى آليات تنفيذية تترجم هذه الجماهير المتدفقة إلى مقعد حقيقي في طاولة المفاوضات. إن صبر الشعب الجنوبي طويل، لكن إرادته أقوى من أي محاولة لكسرها. وفي النهاية، تظل عدن رمزاً للصمود، وكل خطوة نحوها هي خطوة نحو سلام حقيقي وعادل.
الصحفي صالح حقروص
2026/7/7م