آخر تحديث :الخميس - 09 يوليو 2026 - 10:29 م

كتابات


بين الأمس واليوم .. (هل تعيد الأخطاء السياسية إنتاج المشهد نفسه؟)

الخميس - 09 يوليو 2026 - 09:43 م بتوقيت عدن

بين الأمس واليوم .. (هل تعيد الأخطاء السياسية إنتاج المشهد نفسه؟)

كتب / عقيد / محسن ناجي مسعد.

يقال إن التاريخ لا يعيد نفسه بحذافيره، لكنه كثيرًا ما يعيد إنتاج الأخطاء ذاتها بأشكال مختلفة، ومن يتأمل مسار الأحداث التي أعقبت حرب صيف 1994م، ثم يقارنها بما تشهده الساحة الجنوبية اليوم قد يجد أوجه شبه تستحق التوقف عندها واستخلاص دروسها.

فبعد حرب صيف 1994م، دخل الجنوب مرحلة جديدة اتسمت – من وجهة نظر قطاع واسع من الجنوبيين – بإقصائه من مراكز القرار السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي والإداري، في ظل هيمنة السلطة المركزية في صنعاء على كافة مقدرات الجنوب ليس هذا فحسب بل شملت الهيمنة أيضا كافة مفاصل الدولة وكافة مؤسساتها وإدارتها بعقلية ( المنتصر ) لا تمت بأي صلة للوحدة التي كانت قائمة بين الدولتين.


وخلال تلك المرحلة برزت اتهامات واسعة بعمليات استيلاء على أراضي الدولة وممتلكاتها، والتصرف بها بوسائل مختلفة، إلى جانب شكاوى من مصادرة أملاك خاصة ومنحها لجهات وأفراد نافذين، في ظل منظومة قانونية وإدارية اعتبرها كثير من الجنوبيين غطاءً لتلك الممارسات، وهو ما ترك آثارًا عميقة في نفوس الجنوبيون وعلى الواقعين السياسي والاجتماعي في الجنوب الذي غابت عن سمائه الوحدة الحقيقية التي كان يتمناها ويتطلع إليها أبناء الجنوب الذين وجدوا في الوضع الجديد الذي تشكل بعد حرب ١٩٩٤م مجرد نظام احتلال لا تربطه من قريب أو بعيد أي صلة أو علاقة بالمعايير والمقومات التي يمكن أن ترتكز عليها الوحدة المزعومة التي كتبت شهادة وفاتها حرب صيف ١٩٩٤م.


واليوم، وبعد مرور نحو ستة أشهر على الأحداث الدامية التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، والتي انتهت بخروج المجلس الانتقالي الجنوبي من معادلة الحكم القائمة عقب خسارة عسكرية وسياسية مؤلمة، تبرز تساؤلات مشروعة حول الأسباب التي قادت إلى تلك النتيجة، وما إذا كانت بعض القرارات قد اتخذت دون قراءة دقيقة لموازين القوى ولطبيعة التحالفات الدولية والإقليمية القائمة.


وفي هذا السياق، ترى العديد من القيادات والشخصيات المحسوبة على المجلس الانتقالي أن الإقدام على تلك العملية دون التشاور مع المملكة العربية السعودية، بوصفها قائدة التحالف العربي وصاحبة الدور الرئيس في رعاية اتفاق الرياض، مثل خطأً استراتيجيًا أسهم في تعقيد المشهد. فالمملكة كانت قد لعبت دورًا محوريًا في احتواء تداعيات أحداث أغسطس 2019م، عبر رعاية اتفاق الرياض الذي قبل به المجلس الانتقالي، ودخل بموجبه في شراكة مع السلطة القائمة، وهو الاتفاق الذي أتاح عودة مؤسسات الحكومة إلى العاصمة عدن، وتولت القوات الجنوبية توفير الحماية الأمنية لها ولأعضائها.

غير أن هذه الشراكة، وما ترتب عليها من التزامات سياسية وأمنية، وضعت المجلس الأنتقالي والقوات الجنوبية في موقف بالغ الحساسية أمام الشارع الجنوبي، الذي ظل يترقب أن تشكل تلك المرحلة خطوة نحو تحقيق الأهداف الوطنية التي التف حولها منذ انطلاق الحراك الجنوبي، لا أن تتحول إلى مسار يبتعد تدريجيًا عن أولويات القضية الجنوبية.


لقد ظل الشارع الجنوبي، رغم ما واجهه من تحديات وتضحيات، متمسكًا بخيار النضال السلمي باعتباره أحد أهم مصادر القوة السياسية للقضية الجنوبية، ومؤمنًا بأن الحفاظ على وحدة الصف، وحسن إدارة التحالفات، والقدرة على قراءة تعقيدات المشهد بكل تفاصيله وبما يتناغم وينسجم مع المتغيرات الإقليمية والدولية، التي تمثل جميعها عناصر لا غنى عنها في أي مشروع سياسي يسعى إلى تحقيق أهدافه.


إن التجارب السياسية تؤكد أن خسارة المعارك لا تكون دائمًا نتيجة قوة الخصوم، بل قد تكون في كثير من الأحيان ثمرة لأخطاء في التقدير، أو لقرارات اتخذت دون توافق داخلي أو تنسيق مع الأطراف المؤثرة في المشهد. ومن هنا، فإن مراجعة التجربة بكل شفافية، واستخلاص العبر والدروس منها، تظل خطوة ضرورية لتجنب تكرار أخطاء الماضي، لأن الشعوب التي لا تتعلم من تجاربها تجد نفسها، مع مرور الزمن، تعيش المشهد ذاته وإن تبدلت الوجوه وتغيرت الظروف.