الجنوب بين تعثر الرياض وترقب أبوظبي... هل يعود عيدروس الزبيدي لقيادة المرحلة أم أن الإقليم يكتب معادلة جديدة؟
لم يعد المشهد الجنوبي مجرد أزمة سياسية داخلية، ولا مجرد صراع بين حكومة عاجزة وقوى جنوبية تطالب بحقوقها، بل أصبح عنواناً لصراع الإرادات الإقليمية في واحدة من أكثر مناطق الجزيرة العربية حساسية. فبعد سنوات من الحرب والتحالفات والتفاهمات والصراعات غير المعلنة، يقف الجنوب اليوم أمام مرحلة مختلفة تماماً، مرحلة لم تعد فيها الأدوات القديمة قادرة على إنتاج النتائج نفسها، ولم يعد فيها المال وحده أو النفوذ السياسي كافيين لصناعة واقع جديد.
ومنذ أحداث حضرموت في يناير الماضي، أصبحت السعودية الطرف الأكثر حضوراً في إدارة الملف الجنوبي، سياسياً وعسكرياً، بعد انتقالها عملياً للإمساك بمعظم مفاصل المشهد. وخلال أكثر من سبعة أشهر، سعت الرياض إلى إعادة ترتيب الساحة الجنوبية وفق رؤيتها، إلا أن النتائج جاءت، في نظر كثير من المراقبين، بعيدة عن الأهداف التي كانت تطمح إليها.
فالخدمات تتراجع بصورة غير مسبوقة، والاقتصاد يواصل الانهيار، والعملة المحلية فقدت جانباً كبيراً من قيمتها، فيما يعيش المواطن أوضاعاً معيشية خانقة، بينما تبدو الحكومة عاجزة عن تقديم حلول حقيقية، وأصبح مجلس القيادة الرئاسي يعيش حالة من التناقضات الداخلية، مع تزايد الانتقادات لانفراد رئيس المجلس، رشاد العليمي، بإدارة كثير من الملفات والقرارات والتعيينات، بعيداً عن مفهوم الشراكة الذي قام عليه المجلس.
وفي الوقت نفسه، لم تستطع الرياض تنفيذ ما وعدت به بشأن إطلاق حوار جنوبي–جنوبي شامل، وهو ما عمّق حالة الإحباط لدى كثير من القوى الجنوبية التي كانت تنتظر معالجة سياسية حقيقية للقضية الجنوبية، لا الاكتفاء بإدارة الأزمة.
وراهنت السعودية على أن ضخ الأموال واستقطاب شخصيات سياسية وإعلامية ومؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي سيعيد تشكيل الرأي العام الجنوبي، ويحد من تأثير المشروع الجنوبي الاستقلالي. إلا أن هذه المقاربة، بحسب هذه القراءة، لم تحقق النتائج المرجوة، بل أدت لدى كثيرين إلى نتائج عكسية، حيث تعززت حالة الرفض الشعبي، وازداد التمسك بالقضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية وهوية وطنية، لا يمكن اختزالها في صفقات أو ولاءات مؤقتة.
ولا يمكن تجاهل حقيقة أن القوات المسلحة الجنوبية، ومعها قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، كانت خلال السنوات الماضية القوة العسكرية الأكثر فاعلية في مواجهة الحوثيين ضمن جبهات القتال المختلفة، وقدمت تضحيات كبيرة في إطار العمليات العسكرية التي خاضها التحالف العربي. لكن تلك العلاقة تعرضت لهزة كبيرة بعد أحداث حضرموت، حين يرى قطاع واسع من الجنوبيين أن الضربات الجوية السعودية التي استهدفت القوات الجنوبية أثناء تقدمها نحو مناطق الصحراء ووادي حضرموت شكلت نقطة تحول عميقة في العلاقة بين الرياض والشارع الجنوبي. وتعتبر السعودية، وفق ما تداوله مسؤولون ومراقبون، أن تلك التطورات ارتبطت بحسابات أمنها الاستراتيجي، بينما ينظر إليها كثير من أبناء الجنوب باعتبارها لحظة فقدان للثقة.
ومنذ ذلك الوقت، تغيرت كثير من الحسابات داخل الجنوب. فاليوم تتصاعد الأصوات الرافضة لأي مشاركة في حرب خارج حدود الجنوب، سواء داخل الأوساط الشعبية أو في أوساط المقاومة الجنوبية والقوات المسلحة الجنوبية، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن الأولوية يجب أن تكون لحماية الأرض الجنوبية واستعادة القرار الجنوبي، لا الانخراط في معارك لا تحقق أهداف المشروع الوطني الجنوبي.
وتزداد هذه القناعة مع استمرار تعثر القوى اليمنية التي تعتمد عليها الرياض في مواجهة الحوثيين. فبعد سنوات من الحرب، لم تتمكن تلك القوى من تحقيق اختراق استراتيجي ينهي الصراع، وهو ما يضع السعودية أمام تحديات معقدة إذا اتجهت المنطقة نحو جولة عسكرية جديدة، خصوصاً في ظل ما تشهده المنطقة من تصعيد وتبدل في موازين القوى.
وفي المقابل، فإن الحديث عن خروج الإمارات من الجنوب بصورة كاملة لا يعكس كل تفاصيل المشهد. صحيح أن أبوظبي خففت حضورها المباشر، لكنها لم تغادر الملف الجنوبي. فهي تتابع التطورات بهدوء، وتراقب حجم التعثر الذي تواجهه الرياض، وتحافظ على قنوات تواصل مع القوى الجنوبية، كما لا تزال تقدم، وفق ما يتداوله مراقبون، دعماً سياسياً ومالياً محدوداً للمجلس الانتقالي الجنوبي وبعض أنشطته الخارجية، دون العودة إلى نمط التدخل المباشر الذي اتسمت به مراحل سابقة.
ولهذا، فإن احتمال التوصل إلى تفاهم سعودي–إماراتي جديد بشأن الجنوب يبقى وارداً، خاصة إذا خلص الطرفان إلى أن إدارة المرحلة الحالية لم تحقق الاستقرار المنشود. وقد ينتج عن مثل هذا التفاهم إعادة ترتيب المشهد السياسي، وإعادة توزيع الأدوار، وربما تقديم شخصيات جديدة أو إعادة تموضع شخصيات قائمة.
وفي هذا السياق، يبرز اسم رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي. فهناك من يرى أنه قد يكون أحد أثمان أي تسوية سياسية جديدة بين الرياض وأبوظبي، بينما يرى آخرون أن استبعاده لن يكون سهلاً، لأن الرجل لا يستند فقط إلى موقع سياسي، بل إلى وجود قوى جنوبية فاعلة على الأرض، وإلى قاعدة شعبية ما زالت تؤمن بالمشروع الجنوبي، رغم كل ما تعرض له من انتكاسات خلال الأشهر الماضية.
لقد تعرض المجلس الانتقالي الجنوبي والحركة الوطنية الجنوبية الاستقلالية لهزة قوية بعد أحداث حضرموت، لكن الهزيمة السياسية لا تعني نهاية المشروع. فما زالت المقاومة الجنوبية موجودة، وما زالت القوات المسلحة الجنوبية تمثل قوة مؤثرة، وما زال المزاج الشعبي الجنوبي، في قطاعات واسعة، يتمسك بهدف استعادة الدولة الجنوبية، وهو ما يجعل أي محاولة لتجاوز هذه الحقائق أو القفز عليها أمراً بالغ الصعوبة.
وفي الوقت ذاته، تشهد المنطقة تحولات استراتيجية متسارعة، بدءاً من التوترات في البحر الأحمر، وصولاً إلى المواجهات الإقليمية التي أعادت رسم أولويات دول الخليج، وأثبتت أن الأمن الإقليمي لم يعد مستقراً كما كان. وفي ظل هذه المتغيرات، تبدو السعودية أمام تحديات متعددة، سواء على حدودها الجنوبية أو في البحر الأحمر أو في علاقاتها الإقليمية، وهو ما يجعل الملف الجنوبي أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل يعود عيدروس الزبيدي إلى المشهد؟ بل: هل تستطيع الرياض الاستمرار في إدارة الجنوب بالأدوات نفسها التي استخدمتها خلال الأشهر الماضية؟ وهل يكفي المال والنفوذ السياسي لتغيير قناعات مجتمع تشكلت عبر عقود من الصراع والتضحيات؟ وهل تستطيع أي تسوية إقليمية أن تنجح إذا لم تنطلق من الاعتراف بحقائق الأرض وإرادة القوى الفاعلة فيها؟
إن الجنوب يقف اليوم أمام لحظة سياسية فارقة. فالمرحلة السابقة تكاد تصل إلى نهايتها، بينما لم تتضح بعد ملامح المرحلة المقبلة. وبين تعثر الرياض، وترقب أبوظبي، وصمود المشروع الجنوبي رغم الانتكاسات، تبقى كل الاحتمالات مفتوحة. لكن المؤكد أن الجنوب لن يعود إلى ما كان عليه قبل يناير، وأن أي معادلة جديدة لن يُكتب لها النجاح إذا تجاهلت الإرادة الشعبية الجنوبية والوقائع التي فرضتها السنوات الماضية.
قد يعود عيدروس الزبيدي، وقد تظهر قيادات جديدة، وقد تُعقد تفاهمات إقليمية مختلفة، لكن الحقيقة التي تفرض نفسها اليوم هي أن الجنوب لم يعد مجرد ملف يُدار من الخارج، بل أصبح قضية سياسية لا يمكن تجاوزها أو اختزالها، وأن أي مشروع لا يستند إلى قراءة دقيقة للواقع الجنوبي سيجد نفسه عاجلاً أم آجلاً أمام المأزق ذاته الذي واجهته المشاريع السابقة.
رئيس مركز التحليل والتنبؤ السياسي الروسي
دنيس كوركودينوف