آخر تحديث :الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 - 05:03 م

كتابات


راجح سعيد باكريت.. رجل لم يُشترَ ولم يُكسر

الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 - 04:18 م بتوقيت عدن

راجح سعيد باكريت.. رجل لم يُشترَ ولم يُكسر

كتب/صالح حقروص

في زمن تُباع فيه الضمائر وتُرهن القرارات، ويصبح الولاء للوطن مجرد شعارات ترفع في المناسبات، يبقى رجال مثل الشيخ راجح سعيد باكريت استثناءً يبعث على الأمل، وصدمةً تزعزع كراسي الفاسدين والمستفيدين من الفوضى. قصة هذا الرجل ليست مجرد سيرة ذاتية لمسؤول تولى منصباً ثم أُقيل، بل هي مرآة تعكس بأمانة كيف تُصنع "البطولات الصامتة" في زمن الخنوع، وكيف يُدفع ثمن النزاهة غالياً في بلد يُعاني من استشراء الفساد والوصاية الخارجية.


النزاهة التي أزعجت الجميع


عندما تولى باكريت محافظة المهرة في 2017، كانت المحافظة ساحة صراع إقليمي مكشوف بين ثلاث قوى كبرى (عُمان، الإمارات، السعودية)، والجميع يتربص بها لنفوذها الاستراتيجي. في مثل هذه الظروف، يكون المسؤول إما "أداة" تنفذ الأجندات، أو يُقال. اختار باكريت الخيار الثالث المستحيل: أن يكون وطنياً مستقلاً بكرامته.


أدهشني موقفه الرافض لعرض الـ15% من المشاريع، وهو رقم ليس هيناً في بلد يعتبر فيه الفساد رياضة وطنية. الأكثر إدهاشاً هو رفضه منصب سفير ومليونيرات مقابل التخلي عن موقعه، برده التاريخي: "نحن أبناء المهرة لا نرضى بالضيم ولا نخاف من أحد". هذا الكلام ليس خطاباً سياسياً، بل فلسفة حياة رجل يدرك أن الكرامة ليست سلعة تباع في الأسواق.


عندما يصبح الإصلاح جريمة


التهمة التي أُقيل بسببها (عدم توريد إيرادات المهرة للبنك المركزي) تحمل في طياتها سخرية مريرة. ففي خضم كارثة إعصار لبان، حين كانت المحافظة تغرق وتحتاج إلى كل ريال لإنقاذ الأرواح ودفع رواتب الموظفين، لم يجد المسؤولون في صنعاء وعدن أفضل من التلويح بـ"تقارير فساد" ضد الرجل الوحيد الذي تصرف بمسؤولية!


المنطق يقول: من يدير أزمة إنسانية بإيرادات محليته بدلاً من انتظار وعود مليار دولار لم تُصرف، يُكافأ، لكن في الواقع اليمني المُشوّه، يُعاقب ويُشهر به. الأدهى أن محافظات أخرى لم تورد للبنك المركزي لسنوات، ولم نرَ تقارير عن فسادها، ولا حملات إعلامية ضد مسؤوليها. هذا الانتقائية تُثبت أن الاتهام لم يكن بحثاً عن الحقيقة، بل أداة لإزاحة رجل لم يرقَ للمستفيدين من تبعيته للخارج.


الذهب الذي تحول إلى رماد


يقولون إن "العصر الذهبي" للمهرة كان في عهد باكريت: كهرباء، خدمات، 20 ألف وظيفة، استقرار معيشي، وتعاملاً إنسانياً مع المرضى في مصر بعد رحيله. وهذا ليس كلاماً عاطفياً، بل حقائق قابلة للقياس.


بل أن الرجل رحل وترك رصيد المحافظة كان 38 مليار ريال يوم رحيله!


الأسئلة التي تنتظر إجابة شجاعة:


· أين ذهبت هذه المبالغ الضخمة؟

· من سحبها فجأة بعد إقالته، ولماذا لم يُفتح أي تحقيق؟

· كيف يبرر الحكام الجدد تراجع الخدمات بينما يتشدقون بـ"النزاهة" و"مكافحة الفساد"؟


فالمقارنة هنا ليست بين شخصين، بل بين نهجين: نهج وطني يؤمن بأن الموارد للشعب، ونهج وصاية يؤمن بأن المحافظات مجرد "عوائد" تُصرف لشراء ولاءات السياسة.


عندما يعود الأسد إلى عرينه


وقائع احتجازه في السعودية وإعادته مُكرهاً (كما يروج البعض) أو مُفرجاً عنه (كما يرى آخرون) لا تهمني بقدر ما يهمني مشهد عودته شامخاً بعد ثمانية أشهر من الإقامة الجبرية. هذا المشهد يحمل دلالة رمزية عميقة: الرجال الحقيقيون لا يُكسَرون. مهما حاولت الآلات الإعلامية والمذكرات الوهمية تصويره كـ"بديل" أو كـ"ورقة تفاوضية"، يظل الرجل رمزاً للصمود في وجه الإرادات الخارجية.


أصحاب "البنكس" الذين يبحثون عن الفتنة، وأصحاب "تلطيف الصورة" الذين يبحثون عن التبريرات، كلاهما يغفلان الحقيقة الأبسط: باكريت خرج لأنه أكبر من أن يُحتجز، وأعظم من أن يُستبدل. خروجه ليس انتصاراً شخصياً فحسب، بل رسالة لكل من يظن أن الجنوب يُمكن قيادته بالمال أو التهديد.


خاتمة: وطن يحتاج إلى أمثاله


في خضم الفوضى اليمنية، تبرز شخصيات كراجح باكريت كالجزر في محيط من الفساد والوصاية. ليس لأنه معصوم من الخطأ (فكل البشر يُخطئون)، بل لأنه يمتلك ما فقدناه جميعاً: النزاهة في زمن الانتهازية، والكرامة في زمن الرضوخ، والوطنية في زمن التجييش المناطقي.


أقولها بكل وضوح: إذا كانت محافظة المهرة عاشت أفضل أيامها في عهده، وإذا كان المرضى وجدوا في مبادراته الإنسانية متنفساً بعد رحيله، وإذا عاد اليوم رافضاً الاستسلام رغم كل الضغوط، فإن هذا الرجل يستحق أكثر من مجرد مقال رأي. يستحق أن يكون نموذجاً يُدرّس في مدارس النزاهة، وأن تُكتب سيرته بأحرف من نور في تاريخ جنوب يُكافح من أجل استعادة دولته.


أما عن أولئك الذين تآمروا عليه ورفعوا تقارير الفساد ضده، فأقول لهم: الاتهامات لا تصنع الحقائق، والتقارير لا تغير التاريخ. تاريخ المهرة سيتذكر العصر الذهبي، وتاريخ الجنوب سيتذكر رجلاً رفض أن يكون عميلاً، واختار أن يكون حراً، حتى لو كلفه ذلك منصبه، فما بالك وهو يعود اليوم منتصراً؟


راجح سعيد باكريت.. رجل لم يُشترَ، ولم يُكسر، وسيبقى اسمه محفوراً في وجدان كل من آمن بالجنوب الحر الأبي.