أعادت رسالتان نشرهما كل من الدكتور عبدالناصر الوالي والدكتور محمد الزعوري فتح باب النقاش حول استمرار بقاء عدد من أعضاء الوفد الجنوبي في العاصمة السعودية الرياض منذ سبعة أشهر، في قضية أخذت أبعادًا سياسية وإنسانية، وأثارت تساؤلات متزايدة في الأوساط الجنوبية بشأن طبيعة هذا الوضع وأسبابه.
فعلى الرغم من أن الوفد وصل إلى الرياض بدعوة رسمية وفي إطار مساعٍ سياسية، إلا أن طول فترة بقائه بعيدًا عن أرضه، في ظل غياب أي توضيحات رسمية بشأن موعد عودته أو طبيعة الإجراءات المرتبطة بوجوده، دفع كثيرين إلى طرح أسئلة تتعلق بحرية الحركة وحق العودة، وما إذا كانت القضية تجاوزت إطار الضيافة إلى واقع يفرض قيودًا غير معلنة.
رسالة الزعوري... الكرامة قبل الرفاهية
ركزت رسالة الدكتور محمد الزعوري على البعد الإنساني للقضية، معتبرًا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يتوفر له من وسائل الراحة، وإنما بما يملكه من حرية الإرادة والحركة والاختيار.
وتنطلق هذه الرؤية من فكرة أن الضيافة في الثقافة العربية تمثل تكريمًا للضيف، لكنها تفقد معناها عندما يصبح الضيف عاجزًا عن اتخاذ قرار العودة إلى وطنه بإرادته الحرة، مهما كانت ظروف الإقامة أو مستوى الخدمات المقدمة له.
وتحمل هذه الرسالة مضمونًا يتجاوز الأشخاص إلى التأكيد على أن الكرامة الإنسانية لا يمكن تعويضها بأي مظاهر مادية، وأن احترام حرية الإنسان يظل الأساس في أي علاقة تقوم على الأخوة والاحترام المتبادل.
"من يصلح الملح إذا الملح فسد؟"
اما رسالة الدكتور عبدالناصر الوالي، فجاءت أكثر مباشرة من الناحية السياسية والوجدانية، واختزلها في العبارة الشهيرة: "من يصلح الملح إذا الملح فسد؟"
وقد عكست الرسالة شعورًا بالإحباط من استمرار الوضع القائم بعد سبعة أشهر من بقاء الوفد في الرياض، معتبرة أن الصبر بلغ مداه، وأن إبعاد القيادات الجنوبية عن وطنها لا يخدم مسار الشراكة ولا يعزز الثقة بين الحلفاء.
كما حملت الرسالة نبرة عتاب واضحة تجاه المملكة العربية السعودية، داعية إلى إنهاء حالة الانتظار، وتمكين أعضاء الوفد من العودة إلى أرضهم، بما يحفظ مكانة الجميع ويعزز العلاقات القائمة على الاحترام المتبادل.
قضية تتجاوز الأشخاص
وتكشف الرسالتان أن القضية لم تعد مرتبطة بأعضاء الوفد وحدهم، بل أصبحت تمثل، في نظر قطاع من الرأي العام الجنوبي، ملفًا يتعلق بالكرامة الوطنية، وحق القيادات في ممارسة دورها من داخل أرضها، خاصة في ظل ما يمر به الجنوب من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية تتطلب حضور قياداته بين أبناء شعبهم.
ويرى متابعون أن استمرار الغموض حول هذا الملف يفتح المجال أمام التأويلات والتكهنات، في وقت كان من الممكن أن تسهم الشفافية وتوضيح الموقف في إنهاء حالة الجدل المتصاعدة.
الضيافة... بين العرف والواقع
وفي الأعراف العربية، تُعد الضيافة عنوانًا للتقدير والتكريم، غير أن استمرارها دون أفق زمني واضح، مع غياب حرية المغادرة أو العودة، يثير تساؤلات حول الفارق بين الضيافة الاختيارية والإقامة التي يشعر أصحابها بأنها أصبحت مفروضة عليهم.
ولهذا برز سؤال يتردد بقوة في الأوساط الجنوبية: ما الرسالة التي يراد إيصالها من استمرار هذا الوضع؟ وهل يخدم ذلك العلاقات بين الأشقاء، أم أنه يترك آثارًا سلبية على مستوى الثقة والانطباع العام؟
دعوات إلى توضيح رسمي
وتتفق الرسالتان، رغم اختلاف أسلوبهما، على المطالبة بإنهاء حالة الغموض، والدعوة إلى معالجة هذا الملف بطريقة تحفظ كرامة الجميع، وتنسجم مع طبيعة العلاقات التي تجمع الجنوب والمملكة العربية السعودية.
ويؤكد مراقبون أن إصدار توضيح رسمي بشأن وضع أعضاء الوفد، أو وضع جدول زمني واضح لمعالجة الملف، سيكون خطوة من شأنها تبديد كثير من علامات الاستفهام، وإغلاق باب التكهنات الذي اتسع خلال الأشهر الماضية.
خاتمة
تطرح الرسالتان قضية تتجاوز البعد الشخصي إلى نقاش أوسع حول العلاقة بين الكرامة الإنسانية والقرار السياسي، وبين مفهوم الضيافة وحرية الإنسان في تقرير مصيره.
وفي ظل استمرار غياب التوضيحات الرسمية، يبقى السؤال حاضرًا في أذهان كثيرين: هل ما يجري مجرد ترتيبات سياسية مؤقتة، أم أن الأزمة باتت تحمل أبعادًا أخرى تستدعي معالجة واضحة وصريحة، تحفظ كرامة الإنسان، وتعزز الثقة بين الأشقاء؟
عدن تايم
الثلاثاء 4 أغسطس 2626