لم يكن صالح بن شامس يرى الجدران كما يراها الناس. كان يراها قبل أن تُبنى. حين يقف أمام كومة الطين، كان يغمض عينيه قليلًا، ثم يمرر أصابعه فوقها كأنما يتحسس في كتلتها الغليظة بيتًا لم يولد بعد. يعرف من ملمسها إن كانت صالحة للقوس أو للزاوية، ويعرف مقدار الماء الذي تحتاجه، ومتى تكون لينة بما يكفي لتطاوع يده، ومتى ينبغي أن يتركها حتى تستوي.
وكان يقول لابنه همّام:
- الطين يا ولدي، مثل الإنسان... إذا شددت عليه انكسر، وإذا تركته بلا تشكيل بقي ترابًا.
ويومها لم يكن همّام يفقه ما وراء كلام أبيه. كان يظن أن أباه يتحدث عن الطين فقط.
**
في ثلاثينيات القرن الماضي، كانت سيئون تتغير. كان المال القادم من جاوة يصل مع المهاجرين العائدين إلى بيوت المدينة، فيتحول إلى أبواب عالية، ونوافذ مزخرفة، وأقواس متناسقة، وشرفات تلمع في الشمس. وكان أثرياء سيئون يتنافسون في بناء البيوت كما لو أنهم يتنافسون في كتابة أسمائهم على وجه المدينة. كل واحد منهم يريد دارًا أجمل من دار جاره، وأعلى منها، وأكثر زخرفة، وأكثر قدرة على إخبار المارة أن صاحبها عاد من جاوة ولم يعد الرجل الذي خرج منها.
ولهذا كان البنّاؤون المهرة من تريم مطلوبين. وكان صالح بن شامس واحدًا من أولئك الذين تعرف أيديهم أسرار الطين. وقد شارك في زخرفة قصر السلطان، وعمل في بناء دار بير زين، وأسهم في تشييد الفلة التي بناها أبوبكر الكاف في بير بن داعر. (وإش تواهي عدن عند بن داعر مع بير زين؟)
ثم استدعاه آل مولى خيلة إلى الفجير، في الطرف الشمالي الشرقي من سيئون، ليبني لهم دارًا. قالوا له: نريد دارًا لا تشبه دارًا.
فابتسم صالح. كان يعرف أن هذه الجملة هي أجمل ما يمكن أن يسمعه بنّاء.
أعطوه قطعة أرض إلى جوار موقع البناء، ليقيم عليها بيتًا أرضيًا صغيرًا. له. وذهب صالح إلى تريم، وجاء بزوجته وابنه همّام. ومنذ ذلك اليوم، أصبح الفجير موطنه. بنى الدار. ووضع في جدرانها شيئًا من روحه. وكانت الدار، كلما ارتفعت، تزداد شبهًا بحلم طويل.
ونشأ همّام بين الطين والنخيل. كان يتبع أباه في مواقع البناء، يحمل له الأدوات، ويجلس ساعات طويلة يتأمل يده وهي تتحرك على الجدار. وحين شبّ، لم يعد يكتفي بالمشاهدة. بل أخذ قلم الرصاص. وأخذ اللون. وتعلم الزخرفة والرسم. ثم صار يستطيع أن يفعل بيده ما كان يفعله أبوه.
لكن همّام كان يحمل في داخله كذلك شيئًا آخر. كان يحب الشعر الشعبي. يحب بني مغراه، ويحب الشبواني، ويستمع إلى قصائد مستور حمادي وعبيد محيندان قفزان وحداد الكاف كما يستمع آخرون إلى الأغاني. وكان يقول أبياتًا من تلقاء نفسه، ثم يضحك إذا سأله أحد:
- من أين جبت هذا الكلام؟
فيجيب: ما أدري... جاء وحده.
ولم يكن يعرف أن بعض الكلام لا يأتي وحده. إنه يأتي من مكان أعمق.
من قلب لم يكتشف نفسه بعد.
وحين بلغ همام الثانية والعشرين، كان قد صار شابًا يعرف العمل ويعرف الشعر، لكنه لم يكن يعرف الحب. حتى ذهب ذات يوم إلى بير مبارك الملاصقة لبير باسكن. كان يعمل في بناء دار الثري سالم عبيد باحبيشي الذي اشترى بير مبارك، شرقي الفجير.
هناك رآها. شمس. لم يعرف اسمها في اللحظة الأولى. رآها بين النساء العاملات في الحقول، تحمل ما تحمله النساء في موسم الحصاد، وتتنقل مع أمها بين المزارع.
كانت شمس تعيش مع أمها. وحدهما. لا أب في البيت. ولا مال. وكانتا تعملان بأجر يومي زهيد في مواسم (الصراب) الحصاد، وسبي البصل، والتقصيف؛ تقطيع سعف النخل اليابس. كانت الحياة قاسية عليهما، لكن شمس كانت تمشي فيها كأنها لا تسمح للفقر بأن يطأطئ رأسها.
وفي اليوم الأول الذي رآها فيه همّام، نسي قطعة الطين في يده. ظل واقفًا.
قال له أحد العمال:
- يا همّام... السترة ... الجدار قدامك ينتظرك.
التفت إليه كأنما استيقظ من نوم.
- أدري.
لكنه لم يكن يدري شيئًا. منذ ذلك اليوم، صار يعرف أن لبير مبارك وجهًا آخر. وأن للنخيل، حين تكون شمس قريبة، لونًا مختلفًا.
كان همّام يعمل، ويصمت. ينظر إليها من بعيد. ثم يعود إلى الجدار. كان يخط الزخارف، فتتسلل صورتها بين الخطوط. كان يرسم زهرة، فيتذكر وجهها. يرسم قوسًا، فيتذكر ابتسامتها. وحين يرفع رأسه، كان يبحث عنها دون أن يعترف لنفسه أنه يبحث.
أما شمس، فكانت تعرف. النساء يعرفن أشياء كثيرة لا يقولها الرجال. كانت تراه. وترى عينيه حين تقترب. لكنها لم تكن تعرف إلى أين يمكن أن يأخذها ذلك النظر.
في تلك الأيام كانت سيئون تتناقل قصيدة شعبية للشاعر التريمي حداد الكاف:
قال بن هاشم رعى الله زمن
يا صمد عوّد زماني
حي ذيك الدمن مريمة والقرن والواديين
يا الهلالي وين تشرق وتغرب منين
يا محب شرقي جروب الحسن
مرتع الغيد الحساني
إيش تواهي عدن
عند بن داعر مع بير زين
يالهلالي وين تشرق وتغرب منين
عاد عرسة قد ربت عاللبن
ما لها يا حمد من مثالي
قل لمولاها تمن
خذ مني نقد من غير دين
يالهلالي وين تشرق وتغرب منين
ثم، فجأة، ألصقت بقصيدة حداد أبيات جديدة. لم يعرف الناس أول الأمر من قالها. لكنها كانت تتردد في المجالس، وفي الأسواق، وبين الرجال العائدين من المزارع: من قال هذا المقطع؟
شاقنا خرعوب في باسكن
ريت قرعه في ثباني
غير ما ضنك بضن
لي تفخّط في نجم البطين
يالهلالي وين تشرق وتغرب منين
ثم جاء الاسم. همّام بن شامس. ابتسم بعضهم. وغمز بعضهم. وقال آخرون:
- همّام وقع.
كان قد وقع فعلًا. وقع في شمس. ولم يعد الشعر قادرًا على ستره.
فذهب بنفسه إلى أم شمس. لم يرسل أحدًا. ولم ينتظر أن يتوسط له أحد.
جلس أمام المرأة وقال:
- يا خالة... أنا جيت أطلب شمس.
رفعت عينيها إليه. كان في صوتها شيء من الحذر:
- تطلبها أنت؟
- أطلبها لنفسي.
صمتت قليلًا. ثم قالت:
- يا ولدي، البنات ما ينطلبن من أمهاتهن.
-ومن يطلبها لي؟
- أبوك يجي ... لخالها مرعي البقّار. فهو وليّ أمرها.
شعر همّام أن الطريق صار واضحًا.
نهض. وقبل أن يخرج، قالت له:
- وإذا كنت صادقًا، لا تجعل الشعر يتقدمك.
التفت إليها. لم يفهم. أضافت:
- الناس سمعت أبياتك.
ثم خرج.
كان الخال مرعي قد سمع. وكان قد قرر. وحين وصل إليه خبر أن همّام يريد شمس، قال: شمس لابني سلّوم. ورفض حتى استقبال صالح بن شامس وابنه همام.
وكان سلّوم ابنه متزوجًا. وله ثلاثة أطفال.
قالت له أم شمس: وكيف تريدها لسلّوم وهو متزوج؟
قال مرعي: ما فيها؟
- فيها أن بنتي لا تكون ضرة.
-هذا زواج.
- وأنا أمها.
نظر إليها مرعي طويلًا. ثم قال: وأنا خالها. ولي أمرها.
لم يكن بينهما ما يمكن أن يقال بعد ذلك. كانت كل كلمة تفتح بابًا لخلاف أكبر. وكانت شمس في وسط ذلك كله، مثل حبة قمح بين حجرين.
حين عرف همّام، لم يصرخ. لم يذهب إلى مرعي. جلس في بيت أبيه صامتًا. لاحظ صالح تغيره.
قال: مالك؟
ما في بي شيء.
-الشعر انقطع؟
رفع همّام عينيه. كان أبوه يعرفه أكثر مما يتصور. قال:
-يا أبي... أريد شمس.
سكت صالح. ثم قال: وهل تريدها إلى بيتك؟
- نعم.
- وهل هي تريدك؟
لم يجب همّام. كانت هذه أول مرة يخاف فيها من السؤال.
وكان الثري سالم عبيد باحبيشي الذي أسهم حينها في تأسيس كهرباء سيؤن ثم في تأسيس مدرسة القرن ومدرسة التعاون، يعرف الرجلين. يعرف همّام، ويعرف الخال مرعي.
ولأنه كان من أهل المال والوجاهة، حاول أن يصلح بينهما. قال لمرعي:
-همّام رجال، ومهنته معروفة، ومستعد يدفع لشمس مهرًا لا يدفعه كثير من الرجال.
رد مرعي:
-المسألة مش مهر.
- ما هي إذن؟
-أنا قلت شمس لسلّوم.
-لكن سلّوم متزوج.
- وإيش المشكلة؟
قال سالم عبيد باحبيشي: المشكلة أن أمها لا تريدها ضرة.
رفع مرعي كتفيه وقال: أمها أختي، وأنا أعرف مصلحتها.
وحين عاد باحبيشي إلى همّام، لم يقل له الكثير. قال فقط: اصبر.
كان همّام يعرف معنى هذه الكلمة. الصبر، أحيانًا، اسم آخر لشيء لا تستطيع تغييره.
وأعلن مرعي زواج شمس من سلّوم. وانتشرت الحكاية في سيئون. قال الناس إن شمس ستصبح زوجة ثانية. وقال آخرون إن همّام لا يزال قادرًا على إقناع مرعي. وقال ثالث:
- لو كان الشعر يزوج، لكانت شمس زوجته من زمان.
أما همّام فلم يقل شيئًا. كان يعمل. يضع الطين على الجدار. يسوي الحواف. ينقش. ويرسم. وحين كان يمر بالقرب من بير مبارك، كان يتجنب النظر إلى الطريق الذي كانت تأتي منه شمس. كان يعرف أنها هناك. لكنه كان يخاف أن يراها.
اقترب موعد العرس. وفي البيت الصغير، كانت أم شمس تعد ما تستطيع إعداده. لكن شمس لم تكن بخير. في البداية قالوا إنها وعكة. ثم اشتد المرض. ثم لم تعد قادرة على الوقوف. كانت أمها تجلس إلى جوارها. تمسح جبينها. وتقول:
-اصبري يا بنتي.
فتفتح شمس عينيها. تنظر إليها. ثم تغلقهما. لم تكن تريد أن تسأل عن العرس. ولم تكن أمها تريد أن تخبرها. وفي الليلة التي سبقت الموعد، اشتد عليها المرض. ثم سكت جسدها. ومع الفجر، كانت شمس قد ذهبت.
انتهى العرس قبل أن يبدأ. وانتهت الخصومة. وانتهت قصائد همّام. لكن أحدًا لم يعرف بعد أن الحكاية لم تنتهِ. ففي الفجير، كان صالح بن شامس قد صار شيخًا أعمى. العينان اللتان طالما تأملتا استقامة الجدران، واختلاف الألوان، ودقة الزخارف، لم تعودا تريان شيئًا. وكان يعتمد على همّام. يقول له: - خذ بيدي.
فيأخذ بيده. إلى المسجد.
فيقوده. كان همّام عيني أبيه.
وذلك الصباح، استيقظ صالح، وتوضأ، وأراد أن يذهب إلى المسجد.
نادى: يا همّام.
لم يجب. ابتسم الشيخ. ربما كان نائمًا. قال مرة أخرى: يا همّام!
لا شيء. اقترب من الغرفة. طرق الباب.
-يا ولدي.
ظل الصمت. فتح الباب. دخل. كانت عيناه لا تريان، لكنه كان يعرف مكان الفراش. مد يده. تحسس الغطاء. ثم ساقته يده إلى جسد ابنه. توقف. أعاد لمس الجسد. كان باردًا.
قال: - همّام؟
لم يتحرك. هز كتفه.
- يا ولدي.
لا جواب. جلس صالح على حافة الفراش. وبدأ يتحسس وجه ابنه. جبينه. خده. فمه. ثم وضع كفه على صدره. لم يجد شيئًا. لم يعرف الشيخ كيف مات ابنه. ولم يعرف لماذا. لكن في تلك اللحظة عرف شيئًا واحدًا:
أن يده التي اعتادت أن تمسك يد همّام لتقوده، صارت تبحث عنه ولا تجده.
**
وفي ظهر ذلك اليوم، كان مسجد باسكن ممتلئًا. جاءت جنازة شمس. وجاءت جنازة همّام. وُضعت الجنازتان في مكان واحد. امرأة لم تلبس ثوب عرسها. ورجل لم يستطع أن يفتح لها بيتًا. كان الناس ينظرون ولا يتكلمون. ربما تذكر بعضهم الأبيات. ربما تذكروا ذلك الشاب الذي كان يرسم على الجدران ويقول الشعر. وربما تذكروا شمس وهي تعود من الحقول، تحمل تعب يومها ولا تحمل شيئًا آخر. لكن الموت لا يحب الكلام.
أقيمت الصلاة. ثم حملوا شمس. وحملوا همّام. إلى التربة المؤقتة التي استحدثت بجوار المسجد. وحين وضعوا شمس في قبرها، كان باسكن ساكنًا. وحين وضعوا همّام قريبًا منها، كان النخيل يتحرك ببطء. كأن الريح وحدها كانت تعرف شيئًا لا يعرفه الناس.
وبعد أيام، مرّ أحد الرجال من المكان. وقف عند القبرين. ثم تذكر الأبيات. قال بصوت خافت:
شاقنا خرعوب في باسكن...
وسكت.
كان البيت الشعري قد نجا.
أما صاحبه، فلم ينجُ. والفتاة التي كان البيت يتغنى بجمالها، صارت تحت التراب. وبقيت سيئون تمضي. تُبنى البيوت. ترتفع الجدران. تتغير الوجوه.