عندما نتحدث عن العمل النقابي في عدن، فإننا لا نتحدث عن مؤسسة عابرة، بل عن تاريخ طويل صنع جزءاً من الوعي الوطني والحقوقي في الجنوب، وكان للنقابات دور بارز في الدفاع عن حقوق العمال والموظفين، كما كان لها إسهام وطني في مواجهة الاستعمار البريطاني، حتى أصبحت عدن واحدة من أهم التجارب النقابية في المنطقة العربية.
لقد أثبت التاريخ أن قوة النقابات لم تكن في تعدد مسمياتها، وإنما في وحدتها واستقلاليتها وقدرتها على تمثيل قواعدها والدفاع عن حقوقها بعيداً عن الاستقطاب السياسي والحزبي.
بعد الاستقلال تشكلت نقابات مهنية كان من بينها نقابة المهن التعليمية، ثم جاءت مرحلة الوحدة اليمنية وما أعقبها من إعادة هيكلة للعمل النقابي ودمج بعض الكيانات النقابية، لتنشأ النقابة العامة للمهن التعليمية والتربوية. وبعد ذلك شهدت الساحة ظهور كيانات نقابية أخرى، ومع مرور السنوات، ولا سيما بعد عام 2015، ظهرت نقابات جديدة في الجنوب، من بينها نقابة المعلمين والتربويين الجنوبيين، ثم اتحادات نقابية متعددة، وصولاً إلى المشهد الذي نراه اليوم من تعدد الكيانات وتداخل الاختصاصات والخلافات.
وإذا كان اختلاف الرؤى أمراً طبيعياً، فإن ما يدعو للقلق هو أن تتحول النقابات إلى ساحات للصراع على الشرعية أو المواقع القيادية، بينما تتراجع القضية الأساسية، وهي الدفاع عن حقوق الموظف والمعلم والعامل.
إن الموظف اليوم لا يعنيه اسم الاتحاد أو النقابة بقدر ما يعنيه أن يجد من يدافع عن راتبه، ومستحقاته، وعلاواته، وتأمينه الصحي، وكرامته الوظيفية، وأن تكون النقابة صوتاً حراً يعبر عن قواعدها، لا عن أي انتماء سياسي أو مصالح ضيقة.
لقد أثبتت التجارب أن النقابات التي تبتعد عن قواعدها وتغيب عنها الانتخابات الدورية والشفافية والمحاسبة، تدخل في دوامة الانقسامات، ويتكرر المشهد ذاته مهما تغيرت الأسماء أو القيادات.
ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي لا يكون بإقصاء طرف وإحلال آخر، ولا بتغيير المسميات، وإنما بالعودة إلى الأساس الذي قامت عليه الحركة النقابية، وهو الإرادة الحرة للقواعد النقابية.
وفي تقديري، فإن أي معالجة جادة ينبغي أن تقوم على عدد من المبادئ:
احترام اللوائح والأنظمة المنظمة للعمل النقابي.
الالتزام بالدورات الانتخابية وعدم إطالة فترات التكليف.
تشكيل لجان تحضيرية محايدة تحظى بثقة القواعد النقابية.
إجراء انتخابات حرة ونزيهة تبدأ من مواقع العمل، ثم المديريات، ثم المؤتمر العام.
ضمان حق الجميع في الترشح والانتخاب دون إقصاء أو تمييز.
تحييد العمل النقابي عن التجاذبات الحزبية والسياسية.
توحيد الجهود للدفاع عن حقوق الموظفين باعتبارها الهدف الأسمى للنقابات.
وأود أن أوجه رسالة إلى معالي وزير الدولة محافظ العاصمة عدن رئيس السلطة المحلية بالعاصمة عدن أ. عبدالرحمن شيخ باعتباره المسؤول الأول في العاصمة عدن، والذي أكد في أكثر من مناسبة أهمية نبذ الحزبية الضيقة والعمل بروح الدولة والمؤسسات.
إن حماية العمل النقابي ليست مسؤولية النقابيين وحدهم، بل هي مسؤولية الدولة أيضاً، لأن النقابات المستقلة والقوية شريك في التنمية والاستقرار، وليست خصماً للسلطة. وكلما كان العمل النقابي مؤسسياً وشفافاً، كان أكثر قدرة على معالجة قضايا الموظفين عبر الحوار والقانون، بعيداً عن الصدام والانقسام.
كما أن من المهم تجنب أي خطوات قد تؤدي إلى تدويل الخلافات النقابية قبل استنفاد كل وسائل الحوار والمعالجات الداخلية، لأن قوة المؤسسات الوطنية تكمن أولاً في قدرتها على إدارة خلافاتها وفق القانون، وبما يحفظ استقلال القرار النقابي ويصون المصلحة العامة.
لقد علّمنا تاريخ عدن النقابي أن الوحدة كانت مصدر القوة، وأن الانقسام كان دائماً سبباً في إضعاف الحركة العمالية.
واليوم، ونحن نستحضر ذلك التاريخ، فإن الواجب يحتم علينا ألا نكرر أخطاء الماضي، بل أن نستفيد من دروسه.
فالعمل النقابي ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لحماية الإنسان العامل، وصون كرامته، والدفاع عن حقوقه، والمساهمة في بناء مؤسسات الدولة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل نقابي على نفسه:
هل نريد نقابات تتنافس على المقرات والمناصب، أم نقابات تتنافس في خدمة العامل والمعلم والموظف؟
التاريخ سيبقى شاهداً، لكن المستقبل لا يصنعه إلا من يضع مصلحة الوطن والموظف فوق كل اعتبار.
أ. ماهر محمد سالم باهديلة